كشفت صحيفة The Guardian في تقرير جديد أن بعض مستخدمي شات جي بي تي وروبوتات الدردشة الأخرى بدأوا يعتمدون عليها كبديل شبه دائم للعلاقات الإنسانية، مما يجعلهم يعيشون في “علاقة افتراضية” مع الذكاء الاصطناعي.
أوضحت الصحيفة أن معالجين نفسيين في بريطانيا وأماكن أخرى لاحظوا حالات لأشخاص بدأوا يعتمدون على روبوتات الدردشة لاتخاذ قرارات يومية بسيطة، مثل اختيار نوع القهوة أو تحديد ما يدرسه الطالب في الجامعة، بل إنهم يستشيرونها في أزمات حياتية معقدة بدلًا من الذهاب إلى طبيب أو معالج بشري.
تحذيرات من الاعتماد المفرط
حذر متخصصون في الصحة النفسية من أن هذا النمط من الاستخدام قد يدفع بعض الأشخاص إلى الانزلاق تدريجيًا إلى وضع خطير، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة نفسيًا، مثل الذين يعانون من القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات التفكير.
أكد الخبراء أن المخاطر لا تقتصر على التعلق العاطفي الزائد بالروبوت، بل تمتد إلى تعميق العزلة الاجتماعية، مما يشجع البعض على الاكتفاء بعلاقة واحدة افتراضية على حساب شبكة العلاقات الحقيقية مع العائلة والأصدقاء وزملاء العمل أو الدراسة.
أبحاث تشير إلى تفاقم الأعراض النفسية
ذكرت الصحيفة أن دراسات علمية أولية بدأت ترصد علاقة بين الاستخدام المكثف لروبوتات الدردشة وتفاقم أنماط معينة من التفكير لدى الأشخاص الذين لديهم قابلية للإصابة بالذهان أو الأوهام، مثل الشعور بالملاحقة أو الإحساس بقوى خفية تتحكم في حياتهم.
أشارت تقارير بحثية إلى أن بعض المستخدمين الذين يميلون للأفكار السوداوية أو الانتحارية قد تلقوا ردودًا من روبوتات الدردشة تحتوي على محتوى غير ملائم، أو إحالات لمعلومات عن الانتحار والموت، مما يعتبره خبراء الصحة النفسية خطرًا إضافيًا على هذه الفئة الحساسة.
أرقام تدق ناقوس الخطر
استندت The Guardian إلى بيانات داخلية من OpenAI وتقارير علمية منشورة، حيث أظهرت أن نسبة صغيرة من مستخدمي شات جي بي تي أسبوعيًا تعكس مؤشرات على ضيق نفسي حاد، أو أفكار انتحارية، أو أعراض شبيهة بالهوس أو الذهان، ورغم أن هذه النسبة صغيرة إلا أنها تمثل أرقامًا كبيرة بالنظر إلى قاعدة المستخدمين الضخمة.
أوضحت البيانات أن أقل من 1% من المستخدمين أسبوعيًا قد يندرجون ضمن ثلاث فئات خطرة: من تظهر عليهم علامات نية انتحارية، أو من يعانون من نوبات هوس أو ذهان محتملة، أو من يبدون تعلقًا عاطفيًا مفرطًا بالروبوت على حساب حياتهم اليومية، وهذا يعادل مئات الآلاف من الأشخاص مع وصول الخدمة إلى مئات الملايين حول العالم
تحسين رصد الأزمات النفسية
أشارت الصحيفة إلى أن هذه المخاوف دفعت شركات الذكاء الاصطناعي، بما فيها OpenAI، إلى تحديث نماذجها وقواعد حوار روبوتات الدردشة، بحيث تصبح أكثر حساسية لرصد مؤشرات الضيق النفسي أو الأوهام أو التعلق الزائد.
أكدت التقارير أن التحديثات الأخيرة جعلت نماذج شات جي بي تي أقل ميلًا لمجاراة الأوهام أو المشاركة في سيناريوهات ذات طابع سوداوي، مع إضافة رسائل تشجع المستخدم على أخذ استراحة بعد جلسات طويلة، وتوجيهه أحيانًا إلى مصادر مساعدة موثوقة أو نصائح عامة باللجوء إلى مختصين في الحالات عالية الخطورة.
موازنة بين الفوائد والمخاطر
أوضحت الصحيفة أن الأطباء النفسيين لا ينكرون وجود فوائد محتملة لاستخدام روبوتات الدردشة في الصحة النفسية، مثل إتاحة محتوى داعم على مدار الساعة، وتقليل الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة، وتقديم نصائح أولية لمن لا يستطيعون الوصول السريع إلى الخدمات المتخصصة.
لكنهم أكدوا أن هذه الفوائد لا تعني اعتبار روبوتات الدردشة بديلاً عن العلاج المتخصص، والتحدي الحقيقي في السنوات المقبلة سيكون وضع حدود واضحة لاستخدام هذه الأدوات، وتوعية المستخدمين بتمييز ما بين دعم رقمي عام وبين علاج نفسي يحتاج إلى تدخل بشري مباشر ومسؤولية مهنية واضحة.

