عندما ننظر إلى أسعار الذهب في الأشهر الأخيرة، نجد أنها شهدت ارتفاعًا مستمرًا لمدة سبعة أشهر متتالية وهذا ليس مجرد رقم بل هو مؤشر قوي على تغير سلوك المستثمرين في السوق حيث أن هذا الارتفاع يعيد إلى الأذهان فترات تاريخية مثل السبعينيات بدلاً من الأنماط التي ظهرت بعد عام 2008 وهذا يعكس تأثيرًا أكبر من مجرد السعر نفسه بل يتعلق بكيفية تصرف المستثمرين حيث تبقى صناديق الزخم في السوق بينما يتردد المتحوطون في معاكسة الاتجاه ويصبح شراء الانخفاضات رد فعل تلقائي.
تأثير الأحداث الجيوسياسية على أسعار الذهب
في الثاني من مارس، شهدنا ارتفاعًا كبيرًا في سعر الذهب الفوري ليصل إلى 5,415 دولار للأونصة وهذا الارتفاع جاء نتيجة للتطورات الأمنية التي دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر ورغم أن الأسعار لم تصل إلى الذروة التي سجلت في 29 يناير والتي كانت 5,594.82 دولار إلا أن الفجوة بينهما تقلصت بسرعة بسبب زيادة الطلب الدفاعي على المعدن الأصفر.
المعادلة هنا واضحة حيث لم يرتفع الذهب بسبب اكتشاف الأسواق للخوف فجأة بل لأن هذا الخوف ترجم إلى مراكز فعلية في السوق.
الارتباط بين الذهب والطاقة
ما يضيف حساسية للموقف هو ارتباطه بأسواق الطاقة حيث أن اضطراب حركة الناقلات في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تدفقات النفط العالمية، أعاد سيناريو الصدمة النفطية إلى طاولة التسعير وحتى أي تعطيل مؤقت في هذه الحركة يكفي لرفع علاوة المخاطر في أسواق السلع وهذا الأمر يقدم دعمًا مزدوجًا للذهب فهناك طلب دفاعي بسبب النفور من المخاطر وطلب تحوطي ضد التضخم إذا استمرت أسعار الطاقة في تشديد الأوضاع المالية.
ما يمكن أن يعرقل استمرار الارتفاع
صعود الذهب لم يكن نتيجة فقط للأخبار بل هناك عوامل هيكلية تدعم هذا الاتجاه مثل المشتريات القوية من قبل البنوك المركزية وتدفقات الأموال إلى الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب وتوقعات بسياسة نقدية أميركية أكثر تيسيرًا وهذه العوامل أسهمت في دفع الأسعار للارتفاع بنحو 64% خلال عام 2025.
لكبح هذا الزخم، قد تحتاج الأسواق إلى مزيج من العناصر مثل تهدئة موثوقة وسريعة تقلل من علاوة الحرب أو ارتفاع العوائد الحقيقية بما يعيد تسعير تكلفة الاحتفاظ بالذهب أو انحسار توقعات التضخم إذا تراجعت صدمة النفط.
بيانات سوق العمل الأميركية هذا الأسبوع تمثل محفزًا قريب الأجل حيث يمكن أن تؤثر على العوائد وتوقعات الفائدة في أي من الاتجاهين والذهب يكون أكثر حساسية عندما تكون حالة عدم اليقين مُسعَّرة مسبقًا.
حتى الآن، الاتجاه لا يزال قائمًا والزخم لم يُكسر لكن مارس قد يكون شهرًا حاسمًا فهو اختبار لقدرة الذهب على تحويل علاوة المخاطر إلى واقع مستدام أو الدخول في دورة جديدة من التقلبات عند قمم تاريخية.

