تعيش أسواق الطاقة حالة من القلق الكبير بسبب التصعيد العسكري المتزايد في الشرق الأوسط حيث أدت المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى شل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعتبر شرياناً حيوياً يمد العالم بأكثر من 20% من إمدادات النفط والغاز، مما أثار مخاوف من حدوث أزمة في الإمدادات.

تأثيرات على أسعار النفط

تعتبر عودة حركة ناقلات النفط إلى طبيعتها في مضيق هرمز أمراً حاسماً لأسواق الطاقة، حيث ينقل هذا المضيق خُمس إنتاج النفط العالمي ونسبة مماثلة من الغاز الطبيعي المسال، وقد أشار تقرير من “جي بي مورغان” إلى أن توقف حركة الناقلات لمدة 25 يوماً قد يؤدي إلى امتلاء خزانات التخزين لدى الدول المنتجة مما سيجبرها على خفض الإنتاج، وقد شهدت أسواق النفط ارتفاعاً حاداً في الأسعار حيث ارتفع سعر خام برنت في أول جلسة تداول بعد الهجوم بنسبة تصل إلى 13% متجاوزاً 82 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ يناير 2025.

في الوقت نفسه، أعلنت شركات التأمين عن إلغاء بعض وثائق التأمين لتغطية السفن في المنطقة، كما أعلنت وكالة “إس آند بي غلوبال بلاتس” عن تعليق عروض الشراء والبيع لتقييمات أسعار المنتجات المكررة في الشرق الأوسط بسبب الاضطرابات الناجمة عن النزاع الأمريكي الإيراني، وأكدت الوكالة أنها تقوم بمراجعة آلية تسعير النفط الخام في المنطقة.

توقعات مستقبلية

بالنسبة للتوقعات، حذر محللو “سيتي غروب” من أن الأسعار قد تستقر في نطاق 80-90 دولاراً، بينما رفع “مورغان ستانلي” توقعاته للربع الثاني إلى 80 دولاراً للبرميل، وفي حال استمر إغلاق المضيق، حذرت “وود ماكنزي” من أن الطاقة الإنتاجية الفائضة لـ “أوبك بلس” قد تصبح غير متاحة مما قد يدفع الأسعار لتجاوز 100 دولار للبرميل.

أزمة الغاز

الأزمة لم تقتصر على النفط بل انتقلت أيضاً إلى الغاز الطبيعي، حيث سادت حالة من الذعر في الأسواق الأوروبية بعد ارتفاع أسعار الغاز بأكثر من 30% عقب إعلان “قطر للطاقة” عن تعليق عمليات الإنتاج والتصدير بسبب استهداف منشأة معالجة الغاز بطائرة مسيرة إيرانية، وهذا يمثل ضربة قوية لأوروبا التي تعتمد على قطر كبديل استراتيجي للغاز الروسي، وقد أشار محلل السلع في بنك “إس إي بي” إلى أن اضطراب تدفقات هرمز سيؤدي إلى تنافس شديد بين المشترين الآسيويين والأوروبيين على شحنات الغاز الأمريكية مما سيرفع الأسعار بشكل حاد.

تأثيرات على آسيا

في سياق متصل، تجد القارة الآسيوية، التي تعتبر محرك النمو العالمي، نفسها في قلب العاصفة، فهي الأكثر تعرضاً لتداعيات الصراع في الشرق الأوسط حيث تعتمد بشكل كبير على إمدادات النفط والغاز من منطقة الخليج، وما يحدث ليس مجرد اضطراب تجاري بل هو تهديد مباشر لأمن الطاقة في العديد من دول القارة، وتعتمد دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند بشكل شبه كلي على ممرات الشحن في الشرق الأوسط لتأمين احتياجاتها الأساسية، فاليابان تعتمد على مضيق هرمز لتأمين حوالي 70% من نفطها المستورد مما يجعلها عرضة لأي توتر جيوسياسي.

الحكومات الآسيوية تسارع حالياً لتقييم مخزوناتها الاستراتيجية، رغم أن المخزونات ليست بديلاً طويل الأمد بل هي صمام أمان لمواجهة صدمات قصيرة الأجل، وفي حال تطور الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، ستجد هذه الدول نفسها أمام خيارات صعبة، إما استنزاف مخزوناتها أو الرضوخ لأسعار السوق المرتفعة.

ومع تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر، بدأت آسيا تنافس أوروبا على شحنات الغاز الأمريكية والأسترالية، مما يزيد من الضغط على المعروض العالمي ويرفع الفواتير الطاقوية للأسواق الناشئة في آسيا، وهذا يعني زيادة فورية في فاتورة الاستيراد بالنسبة للهند وبعض دول جنوب شرق آسيا مما يضع ضغوطاً على موازين المدفوعات ويؤدي إلى تضخم مستورد قد يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي.

الأزمة أيضاً تؤثر على المصافي الآسيوية التي تعتمد على خامات الشرق الأوسط، وتعطل تدفق هذه الخامات قد يدفع المصافي إلى خفض معدلات التكرير مما يؤدي إلى نقص في الوقود المكرر داخل القارة وهو ما يضرب قطاع النقل والخدمات اللوجستية.