مع اقتراب نهاية شهر رمضان، تبدأ الأجواء المميزة تغمر البيوت والشوارع في مصر، حيث تنتشر رائحة “التحويجة” التي تعلن عن بدء أحد أعرق الطقوس الشعبية: صناعة كعك العيد، في الثقافة المصرية، الكعك ليس مجرد حلوى موسمية بل هو رمز للفرح ويمثل جزءًا من ذاكرة ثقافية عميقة الجذور.
موروث ضارب في التاريخ
تعود أصول كعك العيد إلى مصر القديمة، حيث كانت زوجات الملوك يقدمنه للكهنة والمقربين داخل المعابد، وقد تميز بزخارف هندسية مستوحاة من قرص الشمس، مما يعكس رمزية النور والحياة. ومع مرور الزمن، خاصة خلال الحقبتين الإخشيدية والفاطمية، أصبح للكعك طابع احتفالي رسمي، حيث كانت الدولة تنظم صناعته وتوزيعه في مواكب شعبية، مما جعله ضيفًا أساسيًا على موائد عيد الفطر.
صناعة الكعك.. طقس عائلي بامتياز
رغم انتشار المخابز الحديثة والمنتجات الجاهزة، لا تزال العديد من الأسر المصرية، خاصة في الريف والأحياء الشعبية، متمسكة بإعداد الكعك في المنزل، تبدأ الاستعدادات بشراء المكونات الأساسية مثل الدقيق والسمن البلدي، ثم تأتي مرحلة “البَسّ” التي تتطلب خبرة وصبر، وصولًا إلى النقش بالمناقيش التقليدية، ولا تقتصر أهمية هذه العملية على إعداد الحلوى فحسب بل تتحول إلى مناسبة اجتماعية دافئة، يجتمع خلالها أفراد الأسرة حول “الطبلية”، يتبادلون الأحاديث والضحكات، ويتعلم الصغار أسرار المهنة من الكبار، مما يمنح الكعك مذاقه المرتبط بالحنين والذكريات.
رواج تجاري رغم ارتفاع التكاليف
في المقابل، يشهد سوق الكعك الجاهز نشاطًا ملحوظًا خلال الموسم الحالي، حيث تتنافس المحلات التجارية على تقديم تشكيلات متنوعة تلائم مختلف الأذواق والقدرات الشرائية، ورغم ارتفاع أسعار الخامات، لا يزال الإقبال قويًا، مما يعكس تمسك المصريين بطقوس العيد وحرصهم على اقتناء مظاهر البهجة مهما كانت التحديات الاقتصادية، وتتنوع الأصناف بين الكعك التقليدي المحشو بالعجوة أو الملبن، إلى جانب نكهات مبتكرة مثل “الريد فيلفيت” و”اللوتس”، في محاولة لمواكبة أذواق الأجيال الجديدة.
امتداد تاريخي لكعك العيد عبر العصور
لم يكن كعك العيد تقليدًا طارئًا، بل هو طقس متجذر في عمق التاريخ المصري، حيث تعاقبت عليه حضارات ودول متعددة، وأضفى كل عصر بصمته الخاصة حتى وصل إلى صورته المعروفة اليوم.
عصر الفراعنة.. البدايات الأولى
تعود البدايات إلى مصر القديمة، حيث يذكر الدكتور سيد كريم في كتاب “لغز الحضارة الفرعونية” أن زوجات الملوك اعتدن إعداد الكعك وتقديمه للكهنة المكلفين بحراسة هرم خوفو، تزامنًا مع ظاهرة تعامد الشمس على حجرة الملك، وقد أبدع خبازو تلك الحقبة في تشكيل الكعك بزخارف متعددة، حتى قيل إنها بلغت نحو مئة شكل، وكان أبرزها الشكل الدائري الذي يجسد قرص الشمس، رمز الإله رع، وهو التصميم الذي لا يزال حاضرًا حتى اليوم، كما كشفت نقوش مقابر طيبة ومنف عن مشاهد واضحة لصناعة الكعك، مما يؤكد حضوره في تفاصيل الحياة اليومية للمصري القديم.
العصر الإخشيدي.. الكعك بالمفاجأة
خلال عهد الدولة الإخشيدية، اكتسب الكعك طابعًا احتفاليًا مميزًا، إذ يُروى أن الوزير أبو بكر المادراني كان يحرص على صناعته في عيد الفطر، ويقوم بحشوه بالدنانير الذهبية، وكان يُعرف حينها باسم “أفطن إليه”، أي انتبه للمفاجأة، في إشارة إلى ما قد يجده المتناول داخل الكعكة، وهو تقليد يعكس مظاهر السخاء والاحتفاء في تلك الفترة.
العهد الفاطمي.. تنظيم رسمي واسع
بلغ كعك العيد أوج ازدهاره في العصر الفاطمي، حيث أولته الدولة عناية كبيرة، فقد كان الخليفة الفاطمي يخصص ما يقارب 20 ألف دينار سنويًا لصناعته، بينما كانت المصانع تبدأ العمل المكثف منذ منتصف شهر رجب استعدادًا للعيد، وتذكر الروايات أن حجم الكعك آنذاك كان يوازي حجم رغيف الخبز، وكان الخليفة يشرف على توزيعه بنفسه على العامة، الذين كانوا يتجمعون أمام أبواب القصر انتظارًا لنصيبهم، لتتحول المناسبة إلى احتفال شعبي سنوي واسع.
تراث محفوظ حتى اليوم
استمرت عادة إعداد كعك العيد عبر القرون دون انقطاع، متوارثة من جيل إلى جيل، حتى أصبحت واحدة من أبرز علامات الاحتفال بعيد الفطر في مصر، ولا تزال شواهد هذا التراث باقية، إذ يضم متحف الفن الإسلامي بالقاهرة قوالب أثرية للكعك منقوشًا عليها عبارات مثل: “كل هنيئًا واشكر” و”كل واشكر مولاك”، وهي نقوش تعكس البعد الروحي والاجتماعي الذي ارتبط بهذه الحلوى عبر العصور

