لم يكن المسحراتي في دمشق مجرد شخص يوقظ النائمين قبل الفجر، بل كان رمزًا ثقافيًا أثار اهتمام المؤرخين وألهم الأدباء، حيث دوّنوا حضوره في كتاباتهم كعلامة مميزة لشهر رمضان في المدينة.
مع صوت الطبل الخفيف وعبارات “يا نائم وحّد الدائم”، تشكلت في الذاكرة الشامية صورة المسحراتي، الذي اعتبره الكتّاب والباحثون تعبيرًا عن روح التضامن والألفة التي كانت تميز أحياء دمشق القديمة.
حضور المسحراتي في التاريخ
تشير المراجع التاريخية إلى وجود المسحراتي في الحياة الدمشقية منذ قرون، حيث ذكر المؤرخ محمد كرد علي في كتابه “خطط الشام” الطقوس الرمضانية، بما في ذلك تجوال المسحراتي لإيقاظ الناس للسحور، وهي عادة اجتماعية متجذرة في نسيج المدينة.
في السياق الأدبي، تناول الأديب علي الطنطاوي في كتابه “ذكريات” أجواء رمضان الدمشقي، مشيرًا إلى صورة المسحراتي وهو يجوب الحارات بطبلته، مما يجسد روح الألفة بين الجيران ويعكس طبيعة المجتمع الدمشقي خلال الشهر الفضيل.
تفاصيل مهنة المسحراتي
المؤرخ الدكتور شاكر مصطفى قدم في دراسته المنشورة في مجلة “العربي” الكويتية صورة حية للمسحراتي في دمشق. وذكر أنه في الليلة الأولى من رمضان، يسمع النائمون نقر الطبلة وصوت المنادي لهم للصحو، وفي الأيام التي كانت فيها المدينة صغيرة، كان هناك طبل واحد للسحور، ومع توسع المدينة، ظهرت طبيلات صغيرة في الأحياء.
أضاف مصطفى أن الناس في ذلك الوقت كانوا بحاجة إلى من يوقظهم للسحور، وكان في دمشق نحو خمسة وسبعين مسحراً يملؤون الليل بالنقر والغناء، حيث كان المسحر ينادي أصحاب البيوت بأسمائهم وقد ينشد المدائح النبوية.
لم يكن المسحر متطوعًا، بل كانت مهنة منظمة تتطلب أجرًا، وتقتصر على أسر محددة. كان هناك شيخ للكار يتولى توزيع المناطق بين المسحرين وحل النزاعات، بينما كان هناك نقيب وشاويش لتنظيم العمل.
أما أجر المسحر، فكان يتقاضاه قبيل الإفطار من البيوت التي يطوف بها، حيث كانت تُقدم له أطباق متنوعة من الطعام، مما جعل هذا الخليط يُعرف في الأمثال الشامية. ومع انتهاء الشهر، كان المسحر يتلقى “العيدية” من الأسر، مما ينسيه عناء الليل.
استمرار تقليد المسحراتي
رغم تطور التكنولوجيا وانتشار المنبهات، لا يزال المسحراتي حاضرًا في بعض أحياء دمشق والمدن الشامية، حيث يحرص الأهالي على استقباله وتكريمه في نهاية الشهر، مما يعكس امتنانهم لدوره الرمزي.
يؤكد الباحث في التراث الشعبي مازن ستوت أن مهنة المسحراتي تمثل نموذجًا حيًا لاستمرارية الموروث الثقافي السوري، مشيرًا إلى أن هذه الشخصية تطورت عبر الزمن لكنها حافظت على رمزيتها في التكافل الاجتماعي والهوية المحلية.
كما أضاف ستوت أن السحور أصبح محورًا اجتماعيًا مهمًا، حيث يجتمع العائلات حول مائدة واحدة قبيل الفجر، مما يمنح المسحراتي دورًا روحيًا كـ”رسول الفجر” وصوت الجماعة في الحي.
يبقى المسحراتي في دمشق، كما رآه الأدباء ودوّنه المؤرخون، أكثر من مجرد منبّه بشري، بل هو طقس يحفظ ذاكرة الأحياء الشامية ويعكس قدرة التراث على البقاء في الوجدان.

