كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية عن تفاصيل مثيرة تتعلق بعملية استخباراتية وعسكرية معقدة، حيث تمكنت إسرائيل من توجيه ضربة دقيقة للقيادة الأمنية الإيرانية في زمن قياسي لم يتجاوز الدقيقة بعد تعديل توقيت العملية قبل ساعات قليلة من تنفيذها.

في البداية، كان الهجوم مقررًا مساء يوم السبت بالتزامن مع الاجتماع الأسبوعي للمجلس الأعلى للدفاع الإيراني داخل أحد المباني المحصنة في مجمع “باستور” في طهران، وهو اجتماع يعتبر من الأهم في إيران حيث يحضره كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين.

كان الهدف من العملية هو القضاء على أكبر عدد ممكن من القيادات الأمنية في وقت واحد، مما سيسبب ارتباكًا كبيرًا في القيادة الإيرانية، بالإضافة إلى منعهم من الاختباء في مخابئهم بمجرد بدء الحرب، مما كان سيجعل ملاحقتهم لاحقًا أكثر تعقيدًا.

تقديم الاجتماع

لكن المعلومات الاستخباراتية التي حصل عليها الجيش الإسرائيلي لاحقًا كشفت عن مفاجأة، حيث تبين أن الاجتماع تم تقديمه إلى صباح السبت عند الساعة التاسعة والنصف بتوقيت طهران، ويُعتقد أن هذا التغيير جاء خشية من هجوم إسرائيلي ليلي.

هذا التطور فرض ضغطًا كبيرًا على الجيشين الإسرائيلي والأمريكي، حيث تطلب الأمر تعديل موعد إقلاع الطائرات والاستعدادات العسكرية والحرب الإلكترونية بنحو 12 ساعة، ورغم صعوبة الأمر، وافقت القيادة المركزية الأمريكية على تعديل الخطة، وتم تحديد توقيت الضربة في الساعة الثامنة وعشر دقائق صباحًا بتوقيت إسرائيل، أي بعد دقائق من بدء الاجتماع.

في تلك الليلة، حصلت إسرائيل على معلومات أكثر حساسية، حيث أفادت التقارير الاستخباراتية بأن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي سيكون في منزله صباح يوم الاجتماع، وهو منزل يقع داخل مجمع باستور وقريب من موقع الاجتماع.

استهداف خامنئي

رغم انتشار تقارير متضاربة حول احتمال نقل خامنئي من طهران أو حتى من إيران، إلا أن المعلومات الجديدة أكدت وجوده في مقر إقامته، ولم يكن في الملجأ تحت الأرض أو في أي من مخابئه، بل داخل المنزل القريب من موقع الاجتماع الأمني.

هذا التطور اعتُبر فرصة نادرة، مما دفع القيادة العسكرية إلى تعديل الخطة مرة أخرى خلال ساعات قليلة، ونظرًا لعدم وجود معلومات دقيقة عن موقع خامنئي داخل المنزل الواسع، الذي يضم أيضًا مكاتبه وفريقه، تقرر إطلاق نحو ثلاثين صاروخًا لتدمير كامل المنطقة المستهدفة، بما في ذلك قاعة اجتماع مجلس الدفاع ومقر إقامة المرشد والمكتب العسكري المجاور.

في الوقت نفسه، كشفت الاستخبارات الإسرائيلية أن اجتماعًا آخر لكبار مسؤولي جهاز الاستخبارات الإيراني سيُعقد بالتزامن مع اجتماع مجلس الدفاع، داخل مبنى وزارة الاستخبارات على بعد عدة كيلومترات من المجمع، وبناءً على ذلك، تقرر استهداف هذا الاجتماع أيضًا ضمن الضربة الافتتاحية.

تفاصيل الخطة

كانت الخطة تعتمد على إطلاق صواريخ بعيدة المدى من طائرات مقاتلة من طراز إف-15 وإف-16، بما في ذلك صواريخ “روكس” المخصصة لتدمير الأهداف المحصنة فوق الأرض وتحتها.

وفقًا لمصادر أمنية إسرائيلية، فإن تزامن وجود خامنئي في مقر إقامته مع اجتماع كبار القادة الأمنيين في مجلس الدفاع، بالإضافة إلى اجتماع قيادات جهاز الاستخبارات، كان سيؤدي إلى ضربة افتتاحية قوية ضد إيران.

وبحسب المصادر، اعتمدت هذه العملية على مزيج من الاختراق الاستخباراتي العميق والتكنولوجيا المتقدمة والتخطيط العسكري الدقيق، بالإضافة إلى المخاطرة الكبيرة التي تحملها الطيارون.

وفقًا للرواية، تمكنت إسرائيل خلال أربعين ثانية فقط من تنفيذ أربعين عملية اغتيال استهدفت قيادات عسكرية وأمنية إيرانية بارزة، لكن فكرة استهداف خامنئي لم تكن مطروحة في البداية.

فقبل اندلاع الحرب في يونيو، عارضت الولايات المتحدة والجيش الإسرائيلي بشدة اغتيال المرشد الأعلى، حيث رأت واشنطن أن القضاء على رأس النظام قد يؤدي إلى رد إيراني واسع النطاق، كما سيجعل من الصعب العثور على جهة يمكن التفاوض معها لاحقًا.

كما كان الرئيس الأمريكي السابق يعتقد أن ترك الباب مفتوحًا أمام إيران قد يدفعها إلى توقيع اتفاق يمكن تقديمه للرأي العام الأمريكي على أنه إنجاز سياسي.

بعد إعلان وقف إطلاق النار آنذاك، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن إسرائيل نجحت في إزالة تهديدين وجوديين، هما البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية.

لكن مصادر أمنية إسرائيلية قالت لاحقًا إن هذا التقييم لم يكن دقيقًا بالكامل، موضحة أن البرنامج النووي الإيراني لم يُدمر بالكامل، وأن إيران لا تزال تمتلك أجهزة طرد مركزي ومواد انشطارية تكفي لإنتاج نحو عشر قنابل نووية.

كما أكدت تلك المصادر أن خطر الصواريخ الباليستية لم يختفِ، وأن إيران بدأت بالفعل العمل على إعادة بناء قدراتها العسكرية وتعويض الخسائر التي لحقت بها.

إسرائيل تضع خامنئي ضمن قائمة الأهداف

بحسب التقديرات الإسرائيلية، فإن إيران قد تسعى إلى اتباع نموذج كوريا الشمالية، أي بناء قوة نووية وصاروخية كافية لردع أي هجوم عسكري خارجي.

في ضوء هذه المخاوف، بدأت إسرائيل التخطيط لجولة جديدة من العمليات العسكرية، مع إدراج خامنئي هذه المرة ضمن قائمة الأهداف المحتملة، في ظل ما وصفه مسؤولون إسرائيليون بضعف غير مسبوق في النظام الإيراني، غير أن آخرين يرون أن توقيت العملية لم يكن عسكريًا فقط، بل ارتبط أيضًا بحسابات سياسية داخلية.

في الوقت نفسه، واجهت إسرائيل تحديات استخباراتية كبيرة، إذ اكتشف الإيرانيون أن عمليات الاغتيال السابقة تمت عبر اختراق الهواتف المحمولة الخاصة بحراس الشخصيات المستهدفة، مما دفعهم إلى منع استخدام الهواتف من قبل الحراس وتشديد الإجراءات الأمنية.

ورغم ذلك، تقول مصادر إسرائيلية إن أجهزة الاستخبارات تمكنت من تطوير طرق بديلة للحصول على المعلومات نتيجة جهود استخباراتية استمرت أكثر من عشرين عامًا.

كما استعد الجيش الإسرائيلي لعملية معقدة أخرى تتمثل في تدمير شبكة الأنفاق الضخمة تحت مقر إقامة خامنئي في طهران، وهي شبكة واسعة من الملاجئ والأنفاق المحصنة التي صُممت لإدارة الحرب من تحت الأرض.

وفقًا للتقديرات العسكرية، فإن تدمير هذا المجمع كان سيتطلب مشاركة نحو خمسين طائرة مقاتلة وإلقاء ما يقرب من مئة قنبلة خارقة للتحصينات، بهدف إحداث انهيار واسع في الأنفاق وإطلاق غازات قاتلة داخلها.

وقد تأجلت العملية عدة مرات بسبب الاستعدادات العسكرية والتوازنات السياسية والدبلوماسية، بالإضافة إلى رغبة الإدارة الأمريكية في منح المفاوضات فرصة أخيرة.