شدّد البابا لاون الرابع عشر على أهمية سرّ المصالحة في حياة الكنيسة، حيث أكد أن الكهنة، من خلال خدمتهم في كرسي الاعتراف، يلعبون دورًا أساسيًا في بناء الكنيسة وتجديد حياة المؤمنين. جاء ذلك خلال استقباله للمشاركين في الدورة السادسة والثلاثين حول “الحياة الداخلية” في القصر الرسولي بالفاتيكان.
سرّ المصالحة
في كلمته، رحّب البابا بالكهنة الشباب الذين يستعدون للسيامة، مشيرًا إلى أن هذه الدورة تهدف لإعدادهم لخدمة سرّ المصالحة. وأوضح أن هذا السرّ شهد تطورًا في فهمه اللاهوتي وطرق الاحتفال به عبر التاريخ، حيث سعت الكنيسة إلى إظهار غناه الروحي وتوفير فرص أكبر لممارسته.
وأشار البابا إلى أن الكثير من المؤمنين لا يقبلون على سرّ الاعتراف رغم أنه يمثل “كنز رحمة الكنيسة” كما وصفه، حيث يبتعد العديد من المسيحيين عن هذا السرّ لفترات طويلة رغم ما يحمله من نعمة المغفرة وتجديد الروح.
تحدث أيضًا عن المجمع اللاتيراني الرابع الذي أقرّ ضرورة الاعتراف بالأخطاء الجسيمة مرة واحدة على الأقل في السنة لكل مؤمن بالغ، وهو ما أكده تعليم الكنيسة الكاثوليكية بعد المجمع الفاتيكاني الثاني. واستشهد بكلمات القديس أوغسطينوس الذي قال إن من يعترف بخطاياه يتفق مع الله، موضحًا أن الاعتراف، خاصة في زمن الصوم المقدس، يمثل طريقًا للاتحاد بالله واستعادة الشركة معه.
أوضح البابا أن سرّ المصالحة يشكّل “مختبرًا للوحدة”، لأنه يعيد وحدة الإنسان مع الله والكنيسة، ويمنح المؤمن سلامًا داخليًا ينعكس أيضًا على العلاقات الإنسانية. وتساءل عن مدى شجاعة القادة المتورطين في النزاعات المسلحة لفحص ضميرهم والتوجه إلى سرّ الاعتراف، مشيرًا إلى الحاجة الملحّة للمصالحة في عالم يعاني من العنف.
كما أشار إلى أن الخطيئة لا تقطع اعتماد الإنسان على الله، لكنها تكسر الوحدة الروحية معه عندما يتجاهل الإنسان خالقه. وبيّن أن حرية الإنسان، التي تُعتبر عطية إلهية، تجعل من المسؤولية الأخلاقية أمرًا حقيقيًا وجادًا.
توجّه البابا إلى الكهنة الشباب داعيًا إياهم إلى تقدير عظمة الرسالة التي أوكلها إليهم المسيح، وهي إعادة بناء وحدة الإنسان مع الله عبر سرّ المصالحة، وذكر بعض القديسين الذين ارتبطت قداسة حياتهم بخدمتهم في كرسي الاعتراف مثل القديس يوحنا ماري فياني والقديس ليوبولد مانديتش.
أكد البابا أن الكنيسة مدعوة لتكون بيتًا للرحمة، وأن هذه الدعوة تنبع من حضور المسيح القائم فيها من خلال كلمة الله والأسرار المقدسة، مشددًا على أن خدمة الاعتراف تساهم في إحياء طاقات جديدة داخل المجتمع والعالم.
وأشار إلى أن الوحدة مع الله ومع الكنيسة تشكّل أساس الوحدة الداخلية للإنسان، وهي حاجة ملحّة في زمن يتسم بالتشتت، خاصة لدى الأجيال الشابة التي تبحث عن معنى حقيقي للحياة. اعتبر أن خيبة الوعود التي تقدمها حياة الاستهلاك قد تتحول، بنعمة الله، إلى فرصة لإيقاظ الأسئلة الوجودية التي يجد الإنسان جوابها الكامل في يسوع المسيح.
في ختام كلمته، شدّد البابا على أن المصالحة مع الله تقود إلى السلام بين البشر والشعوب، لأن الإنسان المتصالح مع ذاته ومع الله يصبح قادرًا على نشر السلام في حياته اليومية. وأشار إلى أن من يتخلى عن “أسلحة الكبرياء” ويفتح قلبه لمغفرة الله يصبح صانع مصالحة حقيقية، محققًا كلمات القديس فرنسيس الآسيزي “يا رب، استعملني لسلامك”.
اختتم البابا بدعوة الكهنة والمقبلين على السيامة إلى المواظبة على سرّ الغفران ليكونوا أول المستفيدين من الرحمة الإلهية التي دُعوا لخدمتها، موكلًا مسيرتهم إلى شفاعة مريم العذراء، أم الرحمة، وممنحًا الجميع بركته الرسولية.

