أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا جديدًا يتناول تأثير الصراع بين الولايات المتحدة وإيران على الاقتصاد العالمي، حيث يوضح كيف يمكن أن يعيد هذا الصراع تشكيل الأنماط الاقتصادية والمالية في المنطقة والعالم.

الصراع وتأثيراته الاقتصادية

يعتبر الصراع الأمريكي الإيراني في عام 2026 نقطة تحول جيوسياسية مهمة، حيث يتجاوز تأثيره المواجهات العسكرية ليشمل آثارًا اقتصادية عميقة على الاقتصاد العالمي. لم يعد التصعيد محصورًا في إطار المنافسة التقليدية بل أصبح أزمة في أسواق الطاقة، إذ تعتمد هذه الأسواق بشكل كبير على الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في مضيق هرمز، الذي يعد ممرًا حيويًا لنحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال. هذا الوضع يزيد من المخاطر المرتبطة بأسواق النفط، مما يعكس تحول الأزمة من بعد جيوسياسي إلى بعد جيواقتصادي عالمي، مما يتطلب من الأسواق التكيف مع سيناريوهات غير مستقرة.

كما أشار التحليل إلى تأثير الحرب على الاقتصاد من خلال الدمار المباشر الذي تسببه، مما يؤدي إلى اختلال أسعار الطاقة وتغيير مسارات الشحن، وهذا يؤثر على عمليات التصنيع ويزيد من مخاطر التضخم. المستثمرون الدوليون وأسواق العملات يواجهون تقلبات كبيرة نتيجة الظروف الاقتصادية الحالية.

قنوات التأثير المختلفة

تتعدد قنوات التأثير للصراع في النظام الاقتصادي والمالي، ومنها السياسات النقدية والتضخم العالمي. التصعيد العسكري بين أمريكا وإيران يُعتبر صدمة جيوسياسية تؤثر على الاقتصاد العالمي عبر أسواق الطاقة والتجارة الدولية. تشير تحليلات صندوق النقد الدولي إلى أن التوترات في مناطق إنتاج الطاقة غالبًا ما تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، مما يزيد من تكاليف الإنتاج والنقل. على سبيل المثال، ارتفع سعر نفط خام برنت ليتجاوز 100 دولار أمريكي للبرميل بسبب تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز.

فيما يتعلق بالتطورات المرتبطة بالصراع وتأثيرها على أسعار النفط، فإن الولايات المتحدة، رغم اعتمادها المحدود على مضيق هرمز، ستواجه أزمة تكاليف المعيشة بسبب ارتفاع أسعار النفط. كما أن زيادة أسعار الطاقة قد تعيق الاحتياطي الفيدرالي من خفض أسعار الفائدة في المدى القريب، خاصة في ظل استمرار آثار التضخم المرتبطة بالرسوم الجمركية. إذا استمر الصراع لفترة طويلة، فقد تتدهور آفاق النمو الاقتصادي، مما يضع السياسة النقدية الأمريكية أمام تحديات معقدة.

أما في منطقة اليورو، فقد تكون التداعيات الاقتصادية أشد، نظرًا لاعتماد أوروبا الكبير على واردات الطاقة. تشير تقديرات البنك المركزي الأوروبي إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 14% قد يؤدي إلى زيادة التضخم بنحو 0.5 نقاط مئوية، كما قد يخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.1 نقطة مئوية.

أداء العملات وأسواق المال

أسواق العملات شهدت تحركات ملحوظة عقب اندلاع الصراع، حيث ارتفع الطلب على الدولار الأمريكي كملاذ آمن. مؤشر الدولار الأمريكي ارتفع بشكل ملحوظ بعد تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. كما تراجعت عملات أخرى مثل الفرنك السويسري والجنيه الإسترليني أمام الدولار. الذهب شهد ارتفاعًا أيضًا كملاذ آمن، حيث ارتفعت أسعاره خلال الأسبوع الثاني من الحرب.

أما بالنسبة لأسواق المال الكبرى، فقد أدت الحرب إلى تقلبات ملحوظة وزيادة حالة عدم اليقين لدى المستثمرين. أسواق الأسهم في الشرق الأوسط كانت الأكثر تأثرًا بسبب قربها الجغرافي من الصراع، حيث يتوقع أن تتراجع مؤشرات الأسهم في المنطقة إذا استمر التصعيد. على المستوى العالمي، يتوقع أن تؤدي الحرب إلى زيادة تقلبات أسواق الأسهم، حيث ارتفع مؤشر التقلبات في الأسواق الأمريكية منذ بداية العام.

تأثيرات على السياحة العالمية

قطاع السياحة من أكثر القطاعات تأثرًا بالأزمات السياسية، حيث أدت التوترات العسكرية إلى تراجع الطلب على السفر. قطاع السياحة في الشرق الأوسط، والذي تبلغ قيمته نحو 367 مليار دولار سنويًا، قد يواجه ضغوطًا كبيرة إذا استمرت التوترات. إغلاق بعض الأجواء وتهديد الملاحة الجوية قد يؤدي إلى إلغاء العديد من الرحلات، مما يزيد من تكاليف التشغيل ويؤثر على أعداد السياح الدوليين.

في النهاية، يعكس التصعيد الأمريكي الإيراني مدى الترابط بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي، حيث يمكن أن يتحول الصراع الإقليمي بسرعة إلى صدمة اقتصادية تمتد آثارها عبر أسواق الطاقة والمال والتجارة والسياحة. تشير التوقعات إلى أن تأثيرات الصراع قد تستمر لفترة طويلة، مما يتطلب من الدول تعزيز تنويع مصادر الطاقة وتوسيع قدراتها التخزينية، في حين ستعيد الشركات تقييم استراتيجياتها اللوجستية لتقليل الاعتماد على ممرات بحرية معرضة للمخاطر.