“يا ولاد يا ولاد.. تعالوا تعالوا.. علشان نسمع أبلة فضيلة.. راح تحكي لنا حكاية جميلة.. وتسلينا وتهنينا.. وتسمعنا كمان أسامينا” بهذه الكلمات الجميلة كانت تبدأ رحلتنا اليومية مع الحكايات وصوت الإذاعية الكبيرة فضيلة توفيق، المعروفة بلقب “أبلة فضيلة” عبر برنامجها الشهير “غنوة وحدوتة” الذي ترك بصمة في ذاكرة أجيال عديدة، حيث رحلت عن عالمنا في مثل هذا اليوم، وتعتبر واحدة من أبرز رائدات العمل الإذاعي في مصر والعالم العربي، ارتبط اسمها بذكريات الطفولة لتصبح رمزًا مهمًا في تاريخ برامج الأطفال بالإذاعة المصرية.
ولدت فضيلة توفيق عبدالعزيز في 4 أبريل عام 1929 في القاهرة، لأب مصري وأم تركية، ونشأت في حي رمسيس وسط أسرة تهتم بالتعليم والثقافة، وكانت الكبرى بين أشقائها، ومن بينهم الفنانة الراحلة محسنة توفيق.
تلقت تعليمها في مدرسة الأميرة فريال، وكان من زميلاتها في الدراسة الفنانة فاتن حمامة، ومنذ طفولتها كانت تحب الحكايات والقصص، ثم التحقت بكلية الحقوق في جامعة القاهرة تلبية لرغبة أسرتها، وتخرجت منها عام 1951، وبعد التخرج عملت لفترة قصيرة في مكتب وزير المواصلات والإذاعة حامد باشا زكي، لكنها لم تستمر طويلا في مجال المحاماة بعدما أدركت أن شغفها الحقيقي هو العمل الإعلامي.
في عام 1953، انضمت إلى الإذاعة المصرية، حيث بدأت كمذيعة ربط ثم قارئة لنشرات الأخبار، قبل أن تنتقل تدريجيا إلى تقديم البرامج الحوارية، وقدمت في بداياتها برنامجًا بعنوان «س و ج» استضافت فيه عددًا من كبار الفنانين والمثقفين، من بينهم كوكب الشرق أم كلثوم، ورغم نجاحها في تقديم البرامج العامة، كانت تحلم بالعمل في برامج الأطفال، وقد تحقق حلمها عندما تعاونت مع الإذاعي الكبير محمد محمود شعبان المعروف بـ«بابا شارو»، رائد برامج الأطفال في الإذاعة المصرية.
في عام 1959، تولت تقديم برنامج الأطفال الشهير «غنوة وحدوتة» بعد انتقال «بابا شارو» للعمل في التلفزيون، لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها المهنية جعلتها واحدة من أشهر مقدمي برامج الأطفال في مصر، وارتبط اسم «أبلة فضيلة» بهذا البرنامج الذي كان يذاع صباحًا، ويعتمد على تقديم قصة تربوية للأطفال تنتهي بأغنية مرتبطة بموضوع الحكاية، بهدف غرس القيم الأخلاقية مثل الصدق والتعاون والاجتهاد في نفوس الأطفال.
استضافت في حلقاته العديد من كبار المثقفين والفنانين، من بينهم نجيب محفوظ، أنيس منصور، كامل الشناوي، محمد عبدالوهاب، سيد مكاوي، وعبدالحليم حافظ، وغيرهم من رموز الثقافة والفن، ومن أشهر الحكايات التي قدمتها: أشطر الشطار، كوباية اللبن، المقشة الصغيرة، المعزة والديب، وطباخ السلطان، وقد ظل البرنامج يسجل ويبث لعقود طويلة حتى عام 2007، ليصبح أحد أطول برامج الأطفال عمرا في الإذاعة المصرية
لم يقتصر دور أبلة فضيلة على التقديم فقط، بل شغلت أيضًا مناصب مهمة داخل الإذاعة المصرية، من بينها مديرة عامة لبرامج الأطفال خلال الفترة من 1970 إلى 1980، وأسهمت في تطوير محتوى البرامج الموجهة للأطفال، كما قدمت برنامجًا آخر بعنوان «مستقبلي»، كانت تستضيف فيه شخصيات من مهن مختلفة لتعريف الأطفال بطبيعة العمل في هذه المهن وتشجيعهم على التفكير في مستقبلهم.
حصلت الراحلة على العديد من التكريمات داخل مصر وخارجها، من أبرزها وسام الاستحقاق من الرئاسة المصرية، وشهادة تقدير من الاتحاد السوفيتي، ونقابة الصحفيين المصريين، والمركز الكاثوليكي للسينما، ونقابة الإعلاميين عام 2013 بمناسبة عيد النقابة الأول تقديرًا لمسيرتها وإسهاماتها الرائدة، كما تم تكريمها (أم مثالية للإعلاميين) في عيد الأم لعام 2016.
وعن حياتها الشخصية، تزوجت فضيلة توفيق من كبير مهندسي الإذاعة إبراهيم أبوسريع، وأنجبت ابنتهما الوحيدة المهندسة ريم، وفي سنواتها الأخيرة، انتقلت للإقامة مع ابنتها في كندا منذ عام 2014 بعد رحيل زوجها.
ابنتها ريم قالت في إحدى التصريحات الصحفية إن والدتها كانت تعتبر مصر أمها بالفعل، ولم تنس القاهرة لحظة طوال السنوات التي قضتها في كندا، وكانت دائمًا تقول لها: “مش متخيلة إني بعيدة، وإنها تقدر تعيش وتموت في حتة غير مصر”، وأكدت أنها كانت تشعر بالحنين للقاهرة، وأن حديثها الدائم كان عن البلد، موضحة أنها في الأيام الأخيرة كانت تتمنى العودة للقاهرة، ولكن الظروف لم تسمح بذلك
كانت أبلة فضيلة ترى أن برامج الأطفال رسالة تربوية قبل أن تكون ترفيهية، مؤكدة في أحاديث إعلامية أن الحكاية وسيلة مهمة لغرس القيم والسلوك الإنساني لدى الصغار، كما أشارت إلى أن شغفها بالقصص بدأ منذ طفولتها، وهو ما ساعدها لاحقًا على تقديم العديد من الحكايات الإذاعية التي ارتبط بها الأطفال عبر الأجيال.
وعن سبب اختيار لقب «أبلة» الذي يعني باللغة التركية “الأخت الكبيرة” بدلاً من «ماما»، تحدثت في أحد لقاءاتها: “أنا مبحبش لقب ماما فضيلة… محدش ياخد مكان أم حد، الأم هي اللي ولدت وربت، إنما أنا عايزة أكون أختهم الكبيرة”
في 23 مارس 2023، “توتة توتة.. خلصت الحدوتة.. حلوة ولا ملتوتة” مثلما كانت تنهي قصصها، لكنها هذه المرة كانت لتسدل الستار على حياة الإذاعية الكبيرة فضيلة توفيق عن عمر ناهز 94 عامًا في كندا، وزين العلم المصري قبرها بحضور أسرتها وعدد من المقربين، وبرحيلها انتهت رحلة إنسانية وإعلامية استثنائية، لكن يظل صوت «أبلة فضيلة» جزءًا من ذاكرة الطفولة العربية لعقود طويلة؛ إذ لم تكن مجرد مقدمة برامج، بل مدرسة تربوية كاملة صنعت وجدان أجيال عبر الحكاية والغناء وغرس القيم الإنسانية.

