تتباين تطورات الاقتصاد الأمريكي خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، حيث يحقق الأثرياء مكاسب كبيرة بينما يواجه العديد من المواطنين تحديات متزايدة في تحمل تكاليف المعيشة.

الفجوة الاقتصادية تتسع

تشير التقارير إلى أن الطلب على اليخوت الفاخرة والطائرات الخاصة قد شهد زيادة ملحوظة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى قانون الضرائب الذي تم إقراره العام الماضي، كما أن مبيعات القصور التي تتجاوز قيمتها 10 ملايين دولار تسجل نشاطًا قويًا مع ارتفاع أسواق الأسهم إلى مستويات قياسية جديدة، بينما يعاني المواطن العادي من صعوبة في شراء منزل بالسعر المتوسط، وأصبح الحصول على سيارة جديدة أمرًا بعيد المنال بالنسبة للكثيرين بسبب ارتفاع الأقساط الشهرية التي تجاوزت 700 دولار.

تظهر بيانات بنوك الطعام أن عدد الأشخاص الذين يتنازلون عن وجبات بسبب عدم القدرة على شراء الطعام في تزايد، كما يلجأ العديد من أفراد الطبقة المتوسطة إلى بيع بلازما الدم لتغطية نفقاتهم، ويبدو أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء في اتساع مستمر، حيث ارتفعت ثروة أعلى 1% من السكان بأكثر من ضعف وتيرة نمو ثروة أدنى 90% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، وفقًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

سياسات ترامب وتأثيرها على الاقتصاد

على قمة هرم الثروة، تقترب ثروة إيلون ماسك من مستويات مشابهة لما حققه جون دي روكفلر في القرن التاسع عشر، مما يعكس مجموعة من العوامل مثل اضطرابات سوق الإسكان بعد الجائحة وصعود أسواق الأسهم بفضل الحماس المرتبط بالذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى تراجع نشاط قطاع التصنيع، وتباطؤ التوظيف، واستمرار ارتفاع التكاليف.

ساهمت سياسات ترامب في تعزيز هذه الاتجاهات، حيث خفضت إدارته برامج دعم الأسر ذات الدخل المنخفض بعد عام من بدء ولايته الثانية، بالتوازي مع تبني سياسات أفادت الشركات والأثرياء، فتم تقليص مخصصات قسائم الغذاء وبرنامج الرعاية الصحية للفئات محدودة الدخل، كما فرضت قيود جديدة على مساعدات الإسكان منخفض التكلفة وقروض الطلاب، وفي ظل ارتفاع الأسعار نتيجة الرسوم الجمركية، اقترح ترامب على الأمريكيين شراء عدد أقل من الدمى لأطفالهم.

في المقابل، قدمت الإدارة إعفاءات ضريبية بمليارات الدولارات للأثرياء والشركات، كما خففت القيود التنظيمية على البنوك وسهّلت القواعد المرتبطة بالأصول الرقمية، مما أفاد ترامب شخصيًا.

الآراء حول الأوضاع الاقتصادية

قال روبرت رايش، أستاذ الاقتصاد، إن الطبقة العاملة تعاني بشدة في ظل الإدارة الثانية لترامب، حيث تركز النمو الحقيقي في أرباح الشركات وثروات أصحاب الدخول المرتفعة، بينما دافع ترامب عن سجله الاقتصادي، معتبرًا أن المخاوف المتعلقة بارتفاع تكاليف المعيشة مبالغ فيها، وحمّل الديمقراطيين مسؤولية ضعف الاقتصاد، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة دخلت عصرًا ذهبيًا.

يرى حلفاء ترامب أن آثار التخفيضات الضريبية ستظهر تدريجيًا لصالح جميع الأمريكيين، حيث ارتفع متوسط المبالغ المستردة، كما يؤكدون أن الرسوم الجمركية ستعزز في النهاية وظائف التصنيع، مستشهدين بإعلانات حكومات وشركات أجنبية عن خطط استثمار داخل البلاد.

ومع ذلك، يشكك بعض خبراء الاقتصاد في كفاية هذه التحسينات لتعويض الضغوط الأخرى في الاقتصاد، حيث فقد سوق العمل 92,000 وظيفة في فبراير عبر قطاعات متعددة، وفي إطار سلسلة تقارير بعنوان “أمريكا غير الميسورة”، استطلعت شبكة “إن بي سي” آراء القراء حول أوضاعهم الاقتصادية، حيث تحدث العديد عن صعوبة العثور على وظائف وتحمل ارتفاع أسعار الغذاء والرعاية الصحية، بينما أشار آخرون إلى استفادتهم من مكاسب سوق الأسهم.

تحديات مستقبلية

الفجوة بين أغنى الأمريكيين وبقية السكان آخذة في الاتساع منذ عقود، وتمتد تداعيات سياسات ترامب إلى ما هو أبعد من الحسابات المصرفية، مؤثرة على المشهد السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي، حيث تظهر استطلاعات الرأي تزايد عدم رضا الناخبين عن إدارة الاقتصاد.

بالنسبة للكثيرين، تعكس هذه الاتجاهات تراجعًا في الاعتقاد بإمكانية تحقيق التقدم في الولايات المتحدة، حيث كان الأمريكيون في الماضي يجيبون بنعم قاطعة عند سؤالهم عما إذا كانوا أفضل حالًا من آبائهم، أما اليوم فصار هذا الجواب أقل وضوحًا، كما أظهرت دراسة من جامعة ستانفورد أن الأمريكيين المولودين في الثمانينيات كانوا أقل احتمالًا لتحقيق دخل يفوق دخل آبائهم مقارنة بمن وُلدوا في الأربعينيات.

تتزايد التكاليف التي تواجه الأسر اليوم، بما في ذلك ارتفاع أقساط الرعاية الصحية ونفقات رعاية الأطفال، بينما لا يشعر الجميع بهذه الصعوبات بنفس الدرجة، حيث كان 1% من السكان يمتلكون 32% من ثروة الولايات المتحدة مقارنة بنحو 23% في 1990، كما أن الفجوة في الثروة بين الأسر البيضاء والأسر من أصول أفريقية أو لاتينية لا تزال كبيرة.

تساهم عوامل مثل تباطؤ نمو الأجور في اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فمنذ 1979 ارتفعت أجور أدنى 90% من العاملين بنسبة 44%، بينما ارتفعت أجور أعلى 1% بأكثر من 180%، كما أن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب أدت إلى ارتفاع أسعار التجزئة، مما أثر بشكل غير متناسب على ذوي الدخول المحدودة.

تواجه الأسر ضغوطًا كبيرة نتيجة تباطؤ سوق العمل، حيث لم تعد الأجور ترتفع بالوتيرة نفسها التي شهدتها السنوات الماضية، كما خفّض أصحاب الأعمال وتيرة التوظيف، ولم يضف الاقتصاد الأمريكي سوى 584,000 وظيفة في 2025، وهو أسوأ عام للتوظيف منذ جائحة كورونا.

سياسات ترامب ومقترحات جديدة

رغم أن الاقتصاد كان نقطة قوة ترامب السياسية، إلا أنه خلال ولايته الثانية تراجع مستوى تأييده في ملف الاقتصاد، حيث يسعى البيت الأبيض إلى اتباع نهج مشابه لما تم تطبيقه خلال الولاية الأولى، عبر استخدام التخفيضات الضريبية والتعديلات التنظيمية لتحفيز الاستثمار.

طرحت الإدارة بعض البرامج الهادفة إلى خفض تكاليف المعيشة للأسر ذات الدخل المنخفض، مثل وضع سقف لأسعار الفائدة على بطاقات الائتمان، لكن كثيرًا من هذه المقترحات لم تُنفذ، وقد يستغرق ظهور تأثير بعض البرامج سنوات، مثل حسابات الادخار للأطفال التي تحمل اسم ترامب.

ستظهر التأثيرات الأكثر مباشرة لسياسات ترامب عند تقديم الإقرارات الضريبية، حيث ستحصل العديد من الأسر على مبالغ مستردة أكبر بفضل التخفيضات الضريبية، لكن أكبر المكاسب ستذهب إلى الأسر الأكثر ثراء، بما في ذلك أصحاب الأعمال ومالكو المنازل مرتفعة القيمة، كما تمتد التخفيضات الضريبية السابقة لتستفيد الأسر الأكثر ثراء من استمرار زيادة ثرواتها.