تسعى الحكومة المصرية لتعزيز جهودها في حماية الحياة البرية والحفاظ على التنوع البيولوجي، حيث نجحت محمية أشتوم الجميل في تنفيذ تجربة فريدة من نوعها تتمثل في إنقاذ وإعادة تأهيل طيور البجع الأبيض الكبير المهاجرة، قبل إطلاقها مجددًا في بيئتها الطبيعية، مما يعكس مستوى متقدم من التنسيق بين المؤسسات وفاعلية العمل البيئي في مصر.
جهود إنقاذ البجع الأبيض
في هذا السياق، أوضح الدكتور حسين رشاد، مدير عام محميات مصر الشمالية ومدير محمية أشتوم الجميل، أن مركز إنقاذ الحياة البرية بالمحمية استقبل 17 طائرًا من البجع الأبيض الكبير، تم ضبطها في أسواق بيع الأسماك بعدد من المحافظات مثل بورسعيد والإسماعيلية والسويس والشرقية وجنوب سيناء، وأشار إلى أن آخر دفعة من هذه الطيور، وعددها أربعة، خضعت لبرنامج تأهيل شامل استمر 21 يومًا، قبل أن يتم إطلاقها بنجاح، مما يضمن قدرتها على التكيف والبقاء في بيئتها الطبيعية.
يعتبر البجع الأبيض الكبير من أبرز الطيور المائية المهاجرة التي تعبر الأراضي المصرية، حيث يتميز بحجمه الكبير وأجنحته الواسعة التي قد تصل إلى نحو ثلاثة أمتار، مما يمكنه من قطع مسافات طويلة ضمن مسارات الهجرة العالمية، كما يلعب دورًا بيئيًا مهمًا في الحفاظ على توازن النظم البيئية المائية من خلال تنظيم أعداد الأسماك، بالإضافة إلى كونه مؤشرًا حيويًا على صحة البيئات الرطبة مثل البحيرات والمسطحات المائية، مما يجعل عملية إنقاذه وإعادة إطلاقه مهمة تتجاوز الحفاظ على نوع بعينه إلى حماية نظام بيئي متكامل.
التحديات المتمثلة في الاتجار غير المشروع
رغم هذه الجهود، لا تزال ظاهرة الاتجار غير المشروع في الكائنات البرية تمثل تحديًا خطيرًا يواجه التنوع البيولوجي، إذ تؤدي عمليات الصيد غير القانوني وبيع الطيور في الأسواق إلى استنزاف أعدادها والإخلال بالتوازن البيئي، مما يهدد بعض الأنواع بخطر الانقراض، ولهذا السبب، قامت الجهات المعنية بتشديد الرقابة واتخاذ إجراءات رادعة للحد من هذه الممارسات.
كما تكشف عمليات ضبط طيور البجع الأبيض الكبير عن بعض الممارسات الخاطئة التي تسهم في انتشار الاتجار غير المشروع، حيث يلجأ بعض أصحاب محال الأسماك إلى استخدام هذه الطيور كوسيلة لجذب الزوار والسائحين، من خلال عرضها أمام المحلات لالتقاط الصور معها، مما يحولها إلى عنصر “ديكوري” بعيدًا عن بيئتها الطبيعية، وفي هذا السياق يتم تغذية الطيور على مخلفات الأسماك مما يضر بصحتها ويؤثر على سلوكها الفطري، كما يُعتبر انتهاكًا صريحًا للقوانين البيئية التي تحظر حيازة وعرض الكائنات البرية دون ترخيص.
يُعد البجع من الطيور التي تضم عدة أنواع منتشرة حول العالم، من أبرزها البجع الأبيض الكبير والبجع الدلماسي، وكلاهما يندرج ضمن الطيور المائية الكبيرة التي تعتمد على المسطحات المائية في التغذية والمعيشة، وتختلف هذه الأنواع في الحجم ومناطق الانتشار، إلا أنها تشترك في أهميتها البيئية ودورها في الحفاظ على توازن النظم المائية، مما يجعل حمايتها ضرورة ملحة في ظل التهديدات المتزايدة التي تواجه الطيور المهاجرة عالميًا.
تشريعات بيئية ومراكز إنقاذ
في هذا الإطار، أكدت الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة أن اقتناء أو عرض أو بيع الطيور والحيوانات البرية دون ترخيص يُعد جريمة بيئية تستوجب المساءلة القانونية، وفقًا لنص المادة 28 من قانون البيئة المصري رقم 4 لسنة 1994، التي تحظر صيد أو قتل أو إمساك أو حيازة أو نقل أو الاتجار في هذه الكائنات، لما تمثله من ثروة طبيعية يجب الحفاظ عليها.
تعمل الوزارة، بالتعاون مع شرطة البيئة والمسطحات والجهات المعنية، على تنفيذ خطة متكاملة لمكافحة هذه الظاهرة، تشمل تنظيم حملات تفتيش دورية على الأسواق وأماكن بيع الحيوانات البرية، ومتابعة الأنشطة المرخصة، بالإضافة إلى التعاون مع منظمات المجتمع المدني والمتطوعين لرصد المخالفات والتعامل معها، فضلاً عن إعادة تأهيل الكائنات المصادرة وإطلاقها في بيئتها الطبيعية، مما يعزز فرص بقائها واستمرار دورها البيئي.
تُظهر تجربة إنقاذ وإطلاق طيور البجع الأبيض الكبير في مصر تطورًا ملحوظًا في مفهوم إدارة الموارد الطبيعية، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على الحماية التقليدية، بل امتد ليشمل التدخل العلمي وإعادة التأهيل ومواجهة الأنشطة غير القانونية، بالإضافة إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الكائنات البرية، مما يسهم في دعم جهود الدولة لتحقيق أهداف التنوع البيولوجي والتنمية المستدامة.
تؤكد هذه التجربة أن حماية الطيور المهاجرة ليست مجرد التزام بيئي، بل مسؤولية مشتركة تتطلب تكاتف المؤسسات والمجتمع، خاصة في ظل التحديات البيئية المتزايدة عالميًا، مما يعزز من مكانة مصر كدولة فاعلة في حماية الحياة البرية على المستويين الإقليمي والدولي، ويؤسس لنموذج ناجح يمكن البناء عليه في تطوير منظومة المحميات الطبيعية مستقبلًا.

