في وقت تتزايد فيه التحولات العالمية نحو اقتصاد المعرفة، يظهر ملف جودة التعليم كأحد أهم الأسس لبناء الدولة الحديثة، فهو ليس مجرد هدف تنموي بل قضية وجودية ترتبط بالأمن القومي وصياغة المستقبل. في هذا الإطار، أجرت وكالة أنباء الشرق الأوسط حوارًا مع الدكتور علاء عشماوي، رئيس الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، لاستكشاف ملامح الرؤية الجديدة لمنظومة التعليم في ظل “الجمهورية الجديدة”.

جودة التعليم كخيار استراتيجي

بدأ الدكتور علاء عشماوي حديثه بالتأكيد على أن جودة التعليم لم تعد مجرد شعار يُرفع في المحافل الدولية، بل أصبحت خيارًا استراتيجيًا لا يقبل القسمة على اثنين، مشيرًا إلى أن هذا المفهوم تطور ليصبح جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن القومي. وأوضح أن الجودة لم تعد مجرد شهادة تُعلق على الحائط، بل تمثل أمنًا قوميًّا تقنيًّا يرتبط ببناء السيادة الرقمية للدولة، حيث أصبح التميز في مجالات مثل البرمجة والذكاء الاصطناعي خط الدفاع الأول عن المكانة الاقتصادية لمصر، وأن الالتزام بمعايير صارمة هو الضمان الحقيقي لتفادي التهميش في خريطة العالم الحديث.

بناء الإنسان القادر على الفهم والانضباط السلوكي

أشار إلى أن الجودة تبدأ من بناء الإنسان القادر على الفهم والانضباط السلوكي، مؤكدًا أن غياب القيم والانضباط يجعل المناهج مجرد كم تعليمي بلا تأثير حقيقي، وأضاف أن المعايير التي تعتمدها الهيئة في التقييم ترتكز على “ناتج التعلم”، أي الانتقال من قياس ما درسه الطالب إلى ما يستطيع تطبيقه فعليًا، لافتًا إلى أن التوجه نحو محاكاة النماذج الدولية يستهدف نقل ثقافة الانضباط والإتقان وخلق “عدوى إيجابية” تجعل الجودة معيارًا موحدًا في مختلف المؤسسات التعليمية، وأكد أن الإصرار على هذه المعايير يهدف إلى تخريج كوادر تمتلك قدرات تنافسية عالية قادرة على التفوق عالميًا.

أضاف أن الهيئة تتبنى مبدأ “المكاشفة” في التعامل مع التخصصات التعليمية، موضحًا أن جودة التعليم أصبحت تُقاس بمدى “التوظيفية”، أي قدرة الخريج على الالتحاق بسوق العمل في تخصصه خلال فترة قصيرة، وأكد أن الهيئة تتحمل مسؤولية تاريخية في توجيه الاعتماد نحو البرامج التي تضمن التشغيل الفوري وتخدم خطط التنمية، مع العمل على تقليص التخصصات التي لم يعد لها طلب حقيقي في سوق العمل، تماشيًا مع التحولات نحو “التخصصات النافعة” وأوضح أن الجودة في جوهرها سلوك قبل أن تكون كتابًا، مشددًا على أن الانضباط يمثل أحد أهم ركائز تحسين المنظومة التعليمية، وأن المعايير الحديثة تركز على ترسيخ الالتزام الوطني والانضباط الذاتي كجزء من عملية الاعتماد.

المرونة الرقمية

تحدث عن أن “المرونة الرقمية” أصبحت في قلب معايير التقييم، موضحًا أن دمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لم يعد عنصرًا تكميليًا، بل شرطًا أساسيًا لاعتماد المؤسسات التعليمية، وأكد أن أي مؤسسة لا تمتلك بنية رقمية قوية أو منهجًا يعزز الابتكار والبحث المستقل ستفقد جزءًا كبيرًا من فرصها في الحصول على الاعتماد، ووجه حديثه لأولياء الأمور محذرًا من السعي وراء “كليات القمة” التقليدية دون النظر إلى متطلبات سوق العمل، مؤكدًا أن المهارة أصبحت العامل الحاسم في تحديد فرص النجاح.

أشار إلى أن المعلم يظل “مايسترو” المنظومة التعليمية، وأن نجاحه يقاس بقدرته على تنمية التفكير النقدي لدى الطلاب، وليس مجرد نقل المعلومات، لافتًا إلى أن الهيئة تعمل على تدريب المعلمين على أساليب التقييم الذاتي المستمر وتطوير الأداء المهني، وأكد أن التحول الحقيقي في جودة التعليم يتحقق عندما تتحول من ملف إداري إلى “سلوك مجتمعي”، يقوم على ترسيخ قيمة الإتقان بمشاركة كافة مؤسسات الدولة.

اختتم الدكتور علاء عشماوي حواره بالتأكيد على أن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب عقدًا اجتماعيًا جديدًا يجعل من الجودة قيمة أخلاقية وثقافة عامة، بما يعيد لمصر مكانتها كمنارة للعلم والعلماء على المستويين الإقليمي والدولي.