أكدت دراسة حديثة قدمها مركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية خلال ندوة فكرية في جامعة الدول العربية، أن التجربة المصرية تمثل نموذجًا مميزًا في كيفية إدارة التنوع، حيث استطاعت مصر أن تحول هذا التنوع من تهديد محتمل إلى فرصة لتعزيز الوحدة الوطنية، مما يساعد في تقوية الهوية العربية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها المنطقة.
نموذج التجربة المصرية
جاءت الورقة البحثية تحت عنوان “رؤية استراتيجية لإدارة التنوع وتحصين الهوية العربية الجامعة في عصر التفكك: التجربة المصرية أنموذجاً”، وقد أعدتها الدكتورة مايسة خليل حسن، المدير التنفيذي للمركز، وغطت الفترة من 2014 حتى 2026، حيث استعرضت كيفية تعامل مصر مع التعدد الديني والاجتماعي والثقافي في إطار دولة وطنية قوية ومؤسسات راسخة.
أوضحت الدراسة أن النموذج المصري يعتمد على مؤسسات وطنية أساسية مثل الأزهر الشريف والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث لعبت هذه المؤسسات دورًا مهمًا في تعزيز قيم المواطنة والتعايش السلمي من خلال مبادرات مشتركة، مثل بيت العائلة المصرية الذي يعد آلية وطنية لحل النزاعات، بالإضافة إلى وثيقة الأخوة الإنسانية التي عززت مفهوم “المواطنة الشاملة” ورفضت استخدام مصطلح “الأقليات” بشكل إقصائي، كما ساهمت لجان المصالحات المجتمعية في تهدئة النزاعات القبلية والطائفية.
كما سلطت الورقة الضوء على دور الدولة المصرية من خلال رؤية الجمهورية الجديدة وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان عام 2021، بالإضافة إلى الحوار الوطني الذي دعا إليه رئيس الجمهورية، حيث أكدت الدراسة أن هذه المسارات أسهمت في تعزيز الاستقرار المجتمعي وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية الشاملة.
التحديات التي تواجه الهوية العربية
استعرضت الدراسة أربعة تحديات رئيسية تواجه الهوية العربية اليوم، وهي العولمة الثقافية التي تهدف إلى إذابة الخصوصيات، والفضاء الرقمي وما يطرحه من “خوارزميات فرقة” تعزز التطرف وخطابات الكراهية، بالإضافة إلى تصاعد خطابات الهويات الفرعية التي تستغل المنصات الرقمية لمشاريع انفصالية، وأخيرًا حروب الجيلين الرابع والخامس التي تستهدف العقول والوعي.
قدمت الدراسة أيضًا رؤية استراتيجية يمكن تعميمها، تضمنت توصيات عملية على مستوى العمل العربي المشترك، مثل إنشاء مرصد عربي لرصد خطابات الكراهية والتطرف في الفضاء الرقمي، والاستفادة من تجربة مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، بالإضافة إلى إطلاق شبكة عربية للمؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية لتبادل الخبرات في دعم المواطنة ومكافحة التطرف.
كما أوصت الورقة بإقرار ميثاق عربي لإدارة التنوع كإطار مرجعي للدول العربية في صياغة سياساتها الوطنية، مع التركيز على القيم الدينية والإنسانية المشتركة، بالإضافة إلى إطلاق برنامج عربي لتدريب القيادات الشابة على مهارات الحوار والتعايش وتمكينهم من المشاركة في صنع القرار.
وعلى المستوى الوطني، أوصت الدراسة بمواصلة دعم التعاون بين الأزهر والكنيسة، وتوسيع نطاق مبادرات بيت العائلة، وإنشاء وحدة متابعة دائمة لمخرجات الحوار الوطني، فضلًا عن تطوير استراتيجية متكاملة لاستثمار الفضاء الرقمي في تعزيز الهوية الجامعة.
تجدر الإشارة إلى أن مركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية يقع في القاهرة، وتترأسه الدكتورة مايسة خليل حسن، ويعمل على تقديم رؤى بحثية متخصصة في قضايا السياسات العامة والأمن القومي وإدارة التنوع، وتهدف الورقة المقدمة خلال ندوة جامعة الدول العربية إلى تعزيز الحوار العربي حول التماسك المجتمعي في ظل التحولات الرقمية السريعة والتحديات غير المسبوقة التي تواجه الهوية العربية.

