مع احتفالات اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين تتجه الأنظار نحو الوجهات التراثية التي تحكي قصة الهوية الوطنية العميقة تحت شعار “عزّنا بطبعنا” من الدرعية التاريخية مهد الدولة السعودية الأولى إلى العلا القديمة التي تضم آثار حضارات عريقة تستقبل المملكة زوارها في رحلة استكشاف لجذورها الأصيلة وتطورها نحو المستقبل كل موقع يحمل فصولاً من تاريخ وثقافة الأمة التي تشكلت عبر قرون.

تبدأ الرحلة من حي الطريف التاريخي بالدرعية حيث تبرز المباني الطينية والمعالم المعمارية كشاهد حي على حياة قلب الجزيرة العربية هذا الموقع تحول إلى تجربة سياحية متكاملة تجمع التاريخ والعمارة والمطاعم والضيافة والفعاليات وفي قلب الرياض يقف قصر المصمك ليحكي قصة استرداد الرياض وتوحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز يعرض القصر أدوات وأسلحة ومقتنيات ترتبط بتلك المرحلة الحاسمة ومن هناك تمضي الرياض الحديثة كمركز عالمي للأعمال والثقافة والترفيه مع الحفاظ على جذورها التاريخية.

تأخذ رحلة التراث منحى آخر في جدة التاريخية “البلد” حيث تتجاور البيوت الحجازية التقليدية والرواشين والأسواق والأزقة القديمة وتبرز دور المدينة كميناء تاريخي وبوابة للحجاج والتجار هنا يتعرف الزائر على جانب من الهوية الحجازية عبر العمارة والحرف والمأكولات والقصص المتوارثة التراث يتجاوز كونه مبانٍ قديمة ليصبح أسلوب حياة تشكل عبر تفاعل المدينة مع البحر والحج والتجارة أما العلا فتنقل الزائر إلى زمن أبعد بمواقعها الأثرية التي تحتضن آثار حضارات قديمة ازدهرت على طرق التجارة والقوافل في شمال غرب الجزيرة وفي مقدمتها الحِجر (مدائن صالح) الذي يضم مقابر ومعالم صخرية مرتبطة بالحضارة النبطية العلا تذكر بأن تاريخ الهوية السعودية لا يبدأ من مرحلة التوحيد فحسب بل يشمل عمق الجزيرة العربية وحضاراتها وطرق تجارتها ومدنها القديمة.

وفي شرق المملكة تقدم الأحساء نموذجًا فريدًا بواحتها ونخيلها ومياهها وزراعتها بالإضافة إلى مواقعها التاريخية وأسواقها وحرفها التقليدية لتوضح كيف بنى الإنسان السعودي مجتمعًا مستقرًا حول موارد المياه وحول الواحة إلى مساحة للحياة والإنتاج والتبادل الثقافي زيارة الأحساء في اليوم الوطني تتيح التعرف على جانب مختلف من التراث السعودي حيث تلتقي الطبيعة والثقافة والتاريخ وفي الجنوب تكشف قرية رجال ألمع عن ثراء التنوع الثقافي والمعماري في منطقة عسير بمبانيها الحجرية وطابعها المعماري المميز التي تستحضر نمط الحياة الجبلية وعلاقة الإنسان بالبيئة المحلية الهوية السعودية ليست نمطًا واحدًا بل تتعدد بتعدد المناطق من العمارة الطينية في نجد إلى البيوت الحجازية في جدة والمباني الحجرية في الجنوب.

تتسع خريطة الرحلة لتشمل وجهات مثل دومة الجندل في منطقة الجوف التي تحمل شواهد تاريخية ومعمارية وحائل التي ارتبطت تاريخيًا بطرق القوافل والحركة التجارية في شمال الجزيرة بالإضافة إلى مواقع النقوش والفنون الصخرية التي تؤكد امتدادًا بشريًا وحضاريًا ضاربًا في القدم هذه المواقع تؤكد أن الإرث التاريخي للمملكة لا يقتصر على حقبة زمنية واحدة بل يمتد عبر طبقات متتالية من الحضارات والمجتمعات والطرق وأنماط الحياة.

تكمن خصوصية التجربة السياحية اليوم في أن التراث لم يعد ينظر إليه كماضٍ محفوظ خلف الأبواب بل كجزء حي من تجربة الزائر فالأسواق التقليدية والحرف اليدوية والمأكولات المحلية والفنون الشعبية والعمارة والموسيقى والقصص المتوارثة كلها عناصر تجعل التعرف على تاريخ المملكة تجربة يمكن عيشها وليس مجرد معلومات يمكن قراءتها ومع احتفالات اليوم الوطني السادس والتسعين تتكامل هذه التجارب مع مظاهر الاحتفال والفعاليات الثقافية والترفيهية في مختلف المناطق ليجد الزائر نفسه أمام فرصة تجمع بين الاحتفاء بالمناسبة واكتشاف الوجه الآخر للمدن السعودية حيث تتعدد الأماكن وتتبدل الجغرافيا لكن الخيط الجامع يبقى هوية وطن تشكلت من تاريخ طويل وتراث متنوع وذاكرة ممتدة عبر الأجيال.