تسعى اليابان إلى تعزيز قدراتها الاستخباراتية بشكل كبير في ظل الانتقادات التي وُجهت لنظام الاستخبارات الحالي، الذي يعتمد على توزيع المهام بين عدة جهات مثل وزارة الدفاع والشرطة دون وجود آلية فعالة لتبادل المعلومات، وهذا يعتبر أحد الأسباب الرئيسية لضعف مواجهة عمليات التجسس والتدخلات الخارجية.
مشروع تعزيز الاستخبارات اليابانية
المشروع الجديد يأتي في إطار جهود رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي لإعادة صياغة السياسة الأمنية للبلاد، حيث تهدف إلى التخفف من القيود التي فرضت بعد الحرب العالمية الثانية، وقد اتخذت الحكومة بالفعل خطوات لتعزيز القدرات الدفاعية، مثل تخفيف القيود على صادرات الأسلحة وزيادة الإنفاق العسكري.
تركز خطة تاكايتشي على حماية أسرار الدولة والتقنيات المتقدمة، وتعزيز مواجهة حملات التأثير الأجنبية، خاصة تلك المتعلقة بالصين، بالإضافة إلى تطوير نظام مكافحة التجسس والأمن السيبراني.
استجابة دولية ودعم للاستخبارات
السفير الأسترالي لدى اليابان، أندرو شيرر، الذي شغل سابقًا منصب المدير العام للاستخبارات الوطنية في أستراليا، أكد أن المسؤولين اليابانيين يدركون أن قدراتهم الاستخباراتية لم تتوافق مع التطورات العالمية لعقود، وجعل هذا الملف أولوية يعكس رغبة حقيقية في تحديث البنية الأمنية للدولة.
التقرير يشير إلى أن مسؤولين أميركيين قدموا نصائح تتعلق بأنظمة الدفاع السيبراني وآليات مكافحة التجسس، كما ناقش رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني سبل التعاون خلال زيارة لطوكيو، وشاركت أستراليا بخبراتها في مجالات التكنولوجيا والتنسيق بين المؤسسات الحكومية.
انتقادات داخلية وخارجية
رغم الدعم الحكومي للمشروع، إلا أنه واجه انتقادات من بعض الأطراف السياسية داخل اليابان، بالإضافة إلى اعتراضات من الصين، التي ترى أن هذه الخطوات تعكس توجهًا نحو استعادة النزعة العسكرية اليابانية.
النائبة المعارضة ميزوهو فوكوشيما حذرت من أن عدم إنشاء جهاز استخبارات مستقل طوال العقود الماضية كان نتيجة التزام اليابان بمبادئ الدولة السلمية، وأشارت إلى أن الجهاز الجديد قد يفتح الباب أمام توسيع المراقبة وانتهاك الخصوصية.
في المقابل، الحكومة تؤكد أن المشروع يهدف إلى حماية الأمن القومي، وتطوير قدراتها لمواجهة الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل وسرقة المعلومات الحساسة، مشيرة إلى أن الجهاز الجديد سيكون جزءًا من إصلاح شامل لمنظومة الأمن والاستخبارات.
تفاصيل المشروع الجديد
من المقرر أن يبدأ الجهاز عمله بحلول ديسمبر المقبل بميزانية تقدر بنحو 407 ملايين دولار، وسيضم في مرحلته الأولى مئات الموظفين، بما في ذلك مختصون في البرمجيات والأمن السيبراني وتحليل المعلومات، مع خطط لتوسيع كوادره في السنوات المقبلة.
الجهاز سيصبح مركزًا رئيسيًا لتنسيق عمليات جمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية، وسيتولى الإشراف على نحو 33 ألف موظف يعملون في المجال الاستخباراتي داخل مختلف المؤسسات الحكومية، بما في ذلك الشرطة ووزارتي الدفاع والخارجية.
الحكومة تعتزم أيضًا إنشاء مجلس مستقل للاستخبارات برئاسة رئيسة الوزراء، يتولى رسم السياسات الأمنية والإشراف على عمل الأجهزة المختلفة، وذلك في إطار مساعٍ لتعزيز التنسيق واتخاذ القرار بصورة أكثر مركزية.
جذور إعادة هيكلة الاستخبارات اليابانية تعود إلى التغيرات التي شهدتها البلاد بعد الحرب العالمية الثانية، حين تم تفكيك أجهزتها الأمنية تحت الاحتلال الأميركي، مما جعل طوكيو تعتمد بشكل كبير على واشنطن في مجال الاستخبارات الخارجية.
خلال السنوات الماضية، بدأ رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي مسارًا لإعادة بناء المؤسسات الأمنية عبر إنشاء مجلس الأمن القومي وتشديد قوانين حماية أسرار الدولة، وهو النهج الذي تواصل ساناي تاكايتشي البناء عليه، مع توسيع استخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات وتحليلها، بهدف بناء جهاز استخباراتي أكثر قدرة على مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.

