تظهر التطورات الأخيرة أن الاقتصاد المصري بدأ يتجاوز بشكل تدريجي الأزمات التي عانى منها لفترة طويلة، مثل نقص الدولار وارتفاع أعباء الديون مما أثر عليه بشكل كبير، في الوقت الذي ساهم فيه تحسن تدفقات النقد الأجنبي في تعزيز قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها الخارجية.

تحسن التدفقات النقدية

في نهاية يوليو الماضي، أشاد صندوق النقد الدولي بالتقدم الذي أحرزته مصر في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، مما أتاح للبلاد الحصول على نحو 1.8 مليار دولار من التمويل، وهذا ساهم في زيادة ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري، كما أن مصر استفادت من تحسن تحويلات العاملين في الخارج وعائدات السياحة، بالإضافة إلى مرونة أكبر في سعر صرف الجنيه، مما ساعد الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية دون استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي.

مديرة المحفظة في شركة «ويليام بلير» إيفيت باب أكدت أن المستثمرين بدأوا ينظرون بشكل متزايد إلى مصر باعتبارها أقل عرضة لضغوط التمويل الخارجي الحادة، وأكثر قربًا من مجموعة الاقتصادات مرتفعة العائد التي استطاعت استعادة ثقة الأسواق من خلال تنفيذ الإصلاحات.

أداء السندات المصرية

السندات المصرية حققت عائدًا إجماليًا تجاوز 10% منذ نهاية مارس، بينما كان متوسط العائد للسندات في الأسواق الناشئة حوالي 3.2%، كما تراجعت تكلفة عقود مبادلة مخاطر الائتمان لأجل 5 سنوات بنحو 162 نقطة أساس إلى 269 نقطة أساس خلال نفس الفترة، ويرى مستثمرون أن هذا الأداء لا يرتبط فقط بالموجة الصعودية لديون الأسواق الناشئة مرتفعة العائد، بل يعكس تحسنًا خاصًا في النظرة إلى الاقتصاد المصري، مدعومًا بتنفيذ برنامج صندوق النقد الدولي وزيادة الاحتياطيات الأجنبية.

في أواخر يوليو، أنهى صندوق النقد الدولي المراجعة قبل الأخيرة لبرنامج التمويل الموسع لمصر، بالتزامن مع صرف المفوضية الأوروبية 1.5 مليار يورو، ما يعادل نحو 1.73 مليار دولار، ضمن برنامج تمويلي قيمته الإجمالية 4 مليارات يورو، وساعدت تحويلات المصريين العاملين بالخارج، بالإضافة إلى تحسن إيرادات قناة السويس، في تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، التي سجلت مستوى قياسيًا بلغ 56.3 مليار دولار في يوليو الماضي.

توقعات التصنيف الائتماني

مع تحسن المؤشرات المالية، بدأ بعض المستثمرين في المراهنة على إمكانية رفع التصنيف الائتماني لمصر بعدما أوفت البلاد بهدفها المتعلق بالاقتراض بالعملات الأجنبية خلال السنة المالية 2025-2026، ويرى أدريان دو تويت، رئيس أبحاث ديون الأسواق الناشئة في «أليانس برنشتاين»، أن رفع وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني لمصر، المصنف حاليًا عند «Caa1»، قد يصبح احتمالًا واردًا خلال الفترة المقبلة.

لكن رغم التحسن الملحوظ في نظرة الأسواق، لا تزال مصر تواجه تحديات ائتمانية، منها ارتفاع احتياجاتها الإجمالية للتمويل، بالإضافة إلى محدودية التقدم المحرز في برنامج التخارج من الأصول الحكومية، وصندوق النقد الدولي حذر من أن الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي يتطلب استمرار السياسة النقدية المتشددة والانضباط المالي، بالتوازي مع تنفيذ برنامج واضح للتخارج من الأصول وتسريع الإصلاحات الهيكلية.

في ظل المكاسب القوية التي حققتها السندات المصرية، يرى بعض المستثمرين أن جزءًا كبيرًا من التحسن المتوقع قد أصبح محسوبًا بالفعل في الأسعار، حيث قال فادي جندي، مدير المحفظة في «أرقام كابيتال»، إن الأسواق كافأت مصر على التزامها إلى حد كبير بمسار برنامج صندوق النقد الدولي، مشيرًا إلى وجود فرص محدودة في بعض السندات المصرية المقومة باليورو، مع استمرار ارتباط أدائها باتجاهات الأسواق العالمية ومدى تحسن أو تراجع شهية المستثمرين تجاه المخاطر.