تقرير أعده الكاتب اليمني صلاح ذو الفقار – عدن – القاهره حصري البيان المصريه.

 

 

لا يمكن لعين الراصد المنصف أن تخطئ ذلك المشهد السريالي الذي يضرب العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة؛ انتشار سرطاني متسارع لفروع بنوك “التمويل الأصغر” والمصرفية الإسلامية الناشئة في كل حارة ومنطقة. وفي غضون سنوات قليلة جداً، تحول صرافون عاديون ومكاتب صغيرة، فجأة وبدون مقدمات، إلى حيتان تبتلع الاقتصاد، وتستحوذ على شركات الطيران، والطاقة المشتراة، والمستشفيات، والفنادق، وشراء المشتقات النفطية.

هذا التضخم المالي الأسطوري المتسارع في بيئة حرب طاردة للاستثمار، يثير السؤال الأهم الذي يتهرب الجميع من الإجابة عليه: من أين جاءت هذه المليارات؟ وما هي الجذور التاريخية لهذه السيولة المرعبة التي فرضت سيادتها الموازية على حساب سيادة الدولة؟ وما هي الأثمان الباهظة التي يدفعها المجتمع من أمنه وعرضه وخصوصيته؟

 

 

 

لغز التأسيس: الوديعة السوداء في المكلا

 

إن العودة إلى السجلات التاريخية لبعض من يتصدرون المشهد المصرفي اليوم تضعنا أمام حقائق صادمة. ففي عام 2015، إبان سقوط مدينة المكلا بيد تنظيم “القاعدة”، تعرضت خزائن البنك المركزي هناك لعملية نهب منظمة فُقدت على إثرها مليارات الريالات من العملة المحلية والصعبة في واحدة من أكبر سرقات البنوك التاريخية.

المعلومات تتقاطع هنا لترسم مساراً مريباً؛ حيث تشير ملامح التحقيق إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال المنهوبة لم يتبخر في الهواء، بل وجد طريقه إلى السوق عبر قنوات صرافين محليين كانوا حتى وقت قريب يمارسون نشاطاً محدوداً، وعلى رأسهم شبكات ارتبطت بأسماء لدكاكين صغيره تحولت بفضل هذه الأموال من ميزانيات دولة منهوبة عبر تنظيم مصنف إرهابياً، إلى سيولة نقدية ضخمة (كاش) وضعت النواة الأولى لتأسيس هذه الكيانات المصرفية الشابة، لتبدأ عملية غسيل وشرعنة واسعة النطاق تحت لافتات “التمويل الأصغر” وشعارات المصرفية الإسلامية.

 

موانئ التهريب: ثلاثية “شمس” العابرة للبحار

 

ولم يتوقف تراكم رأس المال المريب عند حدود الخزائن المنهوبة، بل امتد ليتغذى على اقتصاد الظل والتهريب المنظم عبر البحار. وتكشف الخيوط عن عمليات تهريب واسعة النطاق لمادتي “الديزل” وبترول الإعانة من شواطئ المكلا ومحيطها باتجاه ميناء “بصاصو” الصومالي ومناطق القرن الأفريقي.

هذه التجارة السوداء والمربحة لم تكن تجري في الخفاء التام، بل قادتها شبكة نقل بحري متكاملة عبر عبّارات وسفن تجارية معروفة باسم “شمس 1″، “شمس 2″، و”شمس 3”. كانت هذه العبّارات تمخر عباب البحر محملة بوقود الشعب اليمني المستنزف، لتعود محملة بملايين الدولارات والنقد الأجنبي غير الخاضع للرقابة، لتصب مباشرة في خزائن الصرافين أنفسهم، مما منحهم تفوقاً مالياً مطلقاً وقدرة على احتكار السيولة والمضاربة بالعملة مقابل تجفيف السوق الرسمية وإضعاف العملة الوطنية.

 

 

 

ماكينة “الغسيل”: الطيران والمستشفيات والطاقة

 

أمام هذا التدفق النقدي الهائل لـ “الكاش” الناتج عن سرقة البنوك وعوائد التهريب، واجهت هذه الإمبراطوريات العائلية الناشئة معضلة شرعنة الأموال وحمايتها من المقصلة الدولية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وقوانين مكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال.

هنا ظهرت خطة التوسع السريع؛ حيث تم فتح الفروع في كل حارة لتعمل كـ “مكنسة” لامتصاص رواتب الجنود والموظفين وتحويلات المغتربين لدمجها في الدورة المالية. ولتطهير المليارات المتبقية، تم ضخها بقوة في قطاعات خدمية ذات تدفق نقدي يومي ضخم يصعب تقييمه أو مراجعته تقنياً وضريبياً:

 

1. قطاع الطيران: عبر الاستحواذ على شركات طيران وطائرات تجارية لنقل الحركة والأموال.

2. شركات الطاقة والمشتقات النفطية: لاحتكار احتياجات المواطنين الأساسية وتحقيق أرباح مضاعفة بالتنسيق مع جهات مستفيدة.

3. المستشفيات والفنادق والعقارات: وهي البيئة المثالية لخلط الأموال المشبوهة بالأرباح الشرعية، حيث يسهل إخفاء الأرقام الحقيقية خلف فواتير الخدمات اليومية.

 

 

 

العزلة الدولية ومقصلة الفيدرالي الأمريكي.

رغم كل هذه الاستعراضات المالية محلياً وشراء الأصول، إلا أن الحقيقة المرة تظل ساطعة؛ فهذه البنوك لا تحظى بأي ثقة لدى المصارف الأجنبية العالمية، ومحرومة تماماً من ثقة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. إن غياب السجلات التاريخية النظيفة لأموال التأسيس، والارتباط بأنشطة غسيل أموال الحروب، يجعل هذه البنوك معزولة دولياً وتفتقر لفتح حسابات مراسلة مباشرة، مما يضعها دائماً تحت تهديد الإيقاف الكلي ومقصلة العقوبات الدولية في حال كشف خطوط تمويلها المشبوهة.

 

نقاط التماس: حين تصبح البيانات دليلاً للحوثيين لتصفية العسكريين

 

 

الأخطر من العزلة المالية هو التحول الجذري لهذه البنوك إلى أدوات اختراق استخباراتي لصالح الحوثيين. فبسبب تمركز الكارتلات البرمجية والمهندسين في صنعاء، واحتفاظ سلطات الحوثي بـ “نوافذ خلفية” (Backdoors) في تطبيقات هذه البنوك، أصبحت بيانات العملاء مكشوفة ومسربة بالكامل ومتاحة للمخابرات الحوثية.

هذا الاختراق التقني تُرجم كارثياً على الأرض وفي نقاط التماس مع الجنوب؛ حيث بات بإمكان نقاط التفتيش الحوثية الاستناد إلى البيانات المسربة لفرز المارين بدقة بالغة. يستطيع الحوثي اليوم معرفة “العسكري من المدني”، وتمييز “الضابط من المهندس” بمجرد فحص الهوية ومطابقتها مع البيانات المالية المنهوبة من تطبيقات البنوك التي تولت صرف الرواتب. لقد تحولت تطبيقات الهواتف المصرفية إلى جواسيس رقمية مزروعة في جيوب قادة وأفراد القوات المسلحة والجنوبية لتسهيل رصدهم واستهدافهم.

 

ما وراء الأمن السيبراني: البعد الأخلاقي وهتك عورات البيوت

 

 

لكن الكارثة لا تتوقف عند الشق العسكري والأمني، بل تتعداه إلى منزلق أخلاقي واجتماعي خطير تتجاهله هذه البنوك عمداً لخدمة أغراضها السياسية والتجارية الضيقة.

إن ضعف السيرفرات الرخيصة والمستضافة في الخارج، مع إجبار التطبيقات للمستخدمين على منح صلاحيات كاملة للدخول إلى الاستوديو وكاميرا الهاتف، فتح الباب على مصراعيه للقراصنة (الهكرز) الخارجيين ومخابرات الأعداء لاختراق خصوصيات المنازل. النتيجة الحتمية كانت تتبع هواتف الفتيات والنساء، واستخراج صورهن الشخصية والعائلية من داخل غرف النوم، واستخدامها كوسائل ضغط وابتزاز مرعب. لم يعد الأمر مجرد خلل في “الأمن السيبراني”، بل أصبح انتهاكاً صارخاً للأعراض وهتكاً لحرمات البيوت والعورات التي استأمن فيها المواطن البسيط تطبيقات مصرفية يفترض أنها تحميه، فإذا بها تعرضه للابتزاز الأخلاقي والمالي والسياسي.

 

 

بلاغ عاجل للرأي العام: احذفوا التطبيقات واسحبوا أموالكم فوراً!

 

وأمام هذا المشهد القاتم والاختراق الشامل، لم يعد الصمت خياراً، ولم يعد الانتظار لحلول حكومية تائهة مجدياً؛ فالخطر اليوم يقرع أبواب بيوتكم ويهدد خصوصيتكم ويستهدف دماء أبنائكم عسكريين ومدنيين.

بصفتي راصداً ومستقصياً لهذه الحقائق، أتوجه بـ تحذير شديد اللهجة وبلاغ عاجل إلى عامة الناس والمواطنين:

 

* أولاً: إلغاء وحذف هذه التطبيقات الخبيثة فوراً من هواتفكم وهواتف عائلاتكم (فتيات ونساء ورجال)، وقطع الصلاحيات الممنوحة لها لمنع استمرار نزيف صوركم وبياناتكم ومواقعكم الجغرافية إلى سيرفرات مشبوهة ومهترئة بالخارج أو نوافذ خلفية بصنعاء.

* ثانياً: التحرك السريع والمسؤول لسحب أموالكم ومدخراتكم من هذه البنوك الناشئة دون إبطاء؛ فالمنظومة التي تُبنى على غسيل الأموال وتهريب الوقود وتفتقر لثقة المصارف الدولية والاحتياطي الفيدرالي، هي منظومة هشة ستنهار حتماً تحت مقصلة العقوبات في أي لحظة، وتأخير سحب ودائعكم يعني المجازفة بجعل لقمة عيشكم طعاماً للحيتان وأمراء الحرب.

 

 

عجز الدولة أم التواطؤ الممنهج؟

 

إن هذا المشهد يضع البنك المركزي اليمني في عدن، وزارة المالية، ووزارة الاتصالات أمام مسؤولية تاريخية وأمنية وأخلاقية مباشرة. كيف يُسمح لمنظومة مالية تلاحقها شبهات التأسيس بأموال “القاعدة” وعوائد تهريب الديزل عبر سفن “شمس”، أن تبتلع السيادة المالية للبلاد وتتحكم برواتب الدفاع والأمن وقاعدة بيانات الجيش؟ وكيف يصمت المسؤولون عن تطبيقات تسرب معلومات الضباط للحوثيين وتهتك أعراض وصور النساء عبر سيرفرات خارجية مهترئة؟

إن الصمت الرقابي وتمرير تراخيص هذه البنوك العائلية دون فحص دقيق للـ “السجل التاريخي” ومصادر التأسيس وفحص الأكواد البرمجية، لا يمكن تفسيره بالغباء الإداري فقط، بل يفتح الباب واسعاً للحديث عن شبكة مصالح وتواطؤ متبادل، يدفع ثمنها المواطن البسيط والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، الذي يرى ودائعه ومخططاته للاستقرار تتبخر في جيوب أمراء حرب المال الجدد.

لقد حان الوقت لأن تنظر الجهات القضائية والدولية في دفاتر هذه البنوك، فما بني على “النهب والتهريب واختراق العورات” لا يمكن أن يصنع وطناً أو يستقر به اقتصاد.