لا حاجة إلى انتظار خبايا المستقبل لمعرفة أن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران سيكون ضعيفاً. يظن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن اتفاقه سيكون مغايراًوأنه سيتمكن من انتزاع تنازلات إيرانية فشل أسلافه في الحصول عليها. لا يمكنه أن يكون مخطئاً أكثر.
إيران… دولة “شريرة” أم طبيعية؟
تنقلت السياسات الأميركية تجاه إيران بين الانفتاح والتشدد. طوال ربع قرن، رسم كل رئيس أميركي نهجاً إيرانياً مختلفاً وأحياناً مناقضاً لنهج لسلفه. بينما كان بيل كلينتون مستعداً لإبداء الانفتاح على الإصلاحيين في إيران، صنّف خلفه جورج بوش الابن البلاد ضمن “محور الشر” سنة 2002.
الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، 2009. (أ ب).
وواصل باراك أوباما مراكمة العقوبات على إيران، إنما أسقط العدسة الآيديولوجية. لم تكن إيران جزءاً من محور ذي عقيدة متشددة ضد الولايات المتحدة، بل دولة يمكن دفعها إلى التصرف بشكل طبيعي، عبر الديبلوماسية. أنتجت سياسته اتفاقاً يؤجّل حصول إيران على القنبلة ويمنحها الأموال لتطوير ترسانتها الباليستية والتوسع الإقليمي.
مع إيران… “أنا الذكي”
مزّق ترامب الاتفاق سريعاً بعد وصوله إلى الرئاسة. كان الدافع إلى ذلك، ولو جزئياً، أنه حمل توقيع أوباما. هذه الرغبة باستبدال “التوقيع” سريعاً هي ما دفعت وتدفع ترامب إلى عدم إكمال الضغط على إيران. لهذا السبب، اقترب من إبرام اتفاق مع طهران في ولايته الأولى، قبل أن يعرقل مستشاروه ذلك.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينهي مؤتمراً صحافياً يخرج فيه بلاده من الاتفاق النووي، 2018. (أ ب).
لعلّ أبرز وعود جو بايدن الانتخابية حيال إيران هو ما كتبه قبل أسابيع من انتخابات 2020: “هناك طريقة ذكية ليكون المرء قوياً مع إيران، وهناك طريقة ترامب”. مجدداً، إنه شعار “أنا مصيب، وسَلَفي مخطئ”. كيف بإمكان دولة امتلاك استراتيجية تجاه عدوها، إذا كانت تغيّر رأيها كل أربعة أعوام؟
نهج ترامب… نقاط عطب بالجملة
كانت السرعة – ولا تزال – نقطة عطب أساسية في نهج ترامب الإيراني. وتكمن نقطة العطب الثانية في حصر التركيز بملفين فقط: الاتفاق النووي وفتح مضيق هرمز. ملفّا وكلاء إيران وبرنامج الصواريخ الخاص بها غائبان عموماً عن التفاوض. يمكن أن يتغير ذلك في فترة الشهرين المخصصة لصياغة التفاصيل التقنية، لكن الاعتقاد بذلك يتطلب مقداراً هائلاً من التفاؤل. بالكاد تكفي الفترة لمناقشة نظام التحقق من التزامات إيران النووية، وهو النظام الذي يشكّل “مقتل” كل اتفاق مع طهران. فحتى مع افتراض أن ترامب سيكون على أهبة الاستعداد لفرض الاتفاق بالقوة إذا انتهكت إيران بنوده، من سيقوم بذلك في الولاية الرئاسية المقبلة؟
ترامب يتحدث إلى الإعلام في 9 حزيران/يونيو الماضي. (أ ب).
ولا يبدو الوضع مع احتمال الإفراج عن “أموال مجمدة” لمصلحة إيران أقل التباساً. يوم الجمعة، نفى نائب الرئيس جي دي فانس حصول الإيرانيين “على أي سيولة” أو الإفراج عن “أي أصول فقط للتوقيع على اتفاق أو حضور اجتماع”. يبدو هذا النفي تلميحاً إلى إمكانية حصول رفع تجميد كهذا في مستقبل غير بعيد، ولو كان بعد فترة الستين يوماً. في الجوهر، ثمة خوف من بدء رفع العقوبات قبل التأكّد من التزام إيران بتعهداتها، وهو تأكّد يحتاج إلى الوقت. باختصار، تبدو المؤشرات، إضافة إلى السجلات التاريخية، غير مواتية لتوقع اتفاق أميركي صلب مع إيران.
كما ذكر لورنس نورمان من “وول ستريت جورنال”، يكفي قبول أميركا طلب إيران ضم لبنان إلى مذكرة التفاهم، كي “يقول لكم هذا الأمر شيئاً عن شكل سائر الاتفاق”.

