جدول المحتوى
.
أعاد الجدل حيال دور سوري محتمل في لبنان طرح أسئلة تتجاوز الجانب العسكري إلى موقع دمشق في الترتيبات الإقليمية الجديدة. فمع تسارع الانفتاح الأميركي على سوريا، وتزايد الحديث عن أدوار أمنية يمكن أن تؤديها في المنطقة، يبرز نقاش عن حدود ما تستطيع السلطة السورية الجديدة تقديمه لواشنطن، وما إذا كانت مستعدة لتحويل هذا التقارب إلى انخراط مباشر في ملفات إقليمية شديدة الحساسية، وفي مقدمها الساحة اللبنانية.
في هذا السياق، جاء كلام الرئيس السوري أحمد الشرع أمام وفد من وجهاء ريف دمشق ليضع سقفاً سياسياً حذراً لهذا النقاش. فقد تحدث عن حساسية الوضع اللبناني، وتعقيد ترسيم الحدود، وأولوية التهدئة وتقوية المؤسسات والربط الاقتصادي، مؤكداً أن ما يُروَّج عن تدخل سوري في لبنان “غير صحيح”. كما حرص على الفصل بين أي تعاون أمني أو حدودي محتمل وبين الانخراط المباشر في الساحة اللبنانية.
وجاء موقف الشرع عقب تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث فيه عن إمكان أن تؤدي سوريا دوراً في مواجهة “حزب الله”.
فكرة أميركية تصطدم بالواقع
تتوزع القراءات بين من يرى في تصريح ترامب فكرة سياسية غير مكتملة، ومن يتعامل معه كامتداد لنقاش أعمق بدأ منذ آذار/مارس، حين تحدثت تقارير عن تشجيع أميركي لدمشق على النظر في دور داخل شرق لبنان لمواجهة “حزب الله“. وبين القراءتين، تبرز حقيقة مشتركة مفادها أن الفكرة مطروحة في التداول الأميركي، فيما يصطدم تحويلها إلى سياسة قابلة للتنفيذ بعوائق سورية ولبنانية وإقليمية كبيرة.
في هذا السياق، يقول الديبلوماسي السوري السابق بسام بربندي، في حديث إلى “النهار”، إن تصريح ترامب “لا يرقى إلى مستوى طلب مباشر من دمشق للتدخل في لبنان”، معتبراً أنه أقرب إلى “فكرة سياسية عابرة”. ويضيف بربندي أنه لم يلمس وجود “فهم جدي للتصريحات على أنها طلب رسمي موجّه إلى السلطات السورية”، وخصوصاً أن الجيش اللبناني يحظى بدعم أميركي، بخلاف الجيش السوري الذي لا يتلقى تسليحاً أو دعماً عسكرياً أميركياً.
وبخصوص التحركات الأخيرة داخل الكونغرس، ولا سيما المشاريع المرتبطة بملف المقاتلين الأجانب والعلاقة مع السلطة السورية الجديدة، يفصل بربندي بينها وبين الملف اللبناني. فهذه التحركات، في رأيه، تعبّر عن وجود قوى سياسية “غير مرتاحة إلى سرعة تطور العلاقة بين دمشق وواشنطن”، أكثر مما تعبّر عن مسار مرتبط بدور سوري محتمل في لبنان. بهذا المعنى، لا ينفي بربندي وجود نقاش أميركي حيال سوريا، لكنه يضعه في سياق أوسع من مجرد الضغط باتجاه دور سوري داخل الأراضي اللبنانية.
سوريا أولاً
تدفع معطيات عدة إلى الاستنتاج أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بالإرادة السياسية فقط، بل أيضاً بقدرة الدولة السورية الجديدة على تحمّل أي انخراط خارج حدودها. فالسلطة لا تزال تعالج آثار حرب طويلة، وتعمل على إعادة ترتيب الجيش والأجهزة وتوحيد الفصائل، فيما تواجه اقتصاداً هشاً وحدوداً مفتوحة وملفات أمنية داخلية معقدة.
هنا يذهب بربندي إلى خلاصة حاسمة، إذ يقول إن “سوريا غير مؤهلة عسكرياً للدخول إلى لبنان”، وإنها خارجة من حرب استمرت 14 عاماً ولا تزال “تحاول استكشاف نفسها” وسط تراكم مشكلات داخلية كبيرة. ويضيف أن لبنان اليوم “يختلف عن لبنان عام 1976″، فلا شرارة حرب أهلية شاملة، ولا انقسام طائفي مشابه، ولا انهيار كامل لمؤسسات الدولة، فيما لا يزال الجيش اللبناني موحداً ومتماسكاً بالحد الأدنى. لذلك يرى أن “الشروط الموضوعية لدخول الجيش السوري إلى لبنان غير متوافرة، سواء طلب الأميركيون ذلك أم لم يطلبوا”.
وتزداد حساسية هذا التقدير عند إدخال عامل الذاكرة اللبنانية. فأي حضور عسكري سوري جديد سيستدعي فوراً تجربة الوجود السوري الطويل في لبنان، وسيمنح “حزب الله” مادة دعائية لتصوير التدخل كعودة سورية بغطاء أميركي – إسرائيلي. كما أن دخول قوة سورية ذات خلفية سنية إلى ساحة يهيمن عليها الحزب سيغذي سرديات مذهبية في لبنان وسوريا معاً، بما يحوّل أي عملية محدودة إلى اشتباك سياسي وطائفي مفتوح.
وفي البعد التركي، يقول بربندي إنه “رغم النفوذ الواسع لأنقرة في سوريا، لا تستطيع تركيا أن تملي على دمشق قرار الدخول إلى لبنان أو عدمه”. فالرفض، في رأيه، “يستند إلى أسباب سورية داخلية وعسكرية موضوعية تقدّرها تركيا نفسها”. وهذا ينسجم مع قراءة ترى أن أنقرة قد تقبل إضعاف نفوذ إيران و”حزب الله” ضمن حدود، لكنها لا تبدو معنية بدفع دمشق إلى حرب تمنح إسرائيل تفوقاً مفتوحاً أو تفتح جبهة لا تستطيع سوريا ضبطها.
طفل يبيع بالونات في أحد أسواق دمشق. (أ ف ب).
شراكة مع واشنطن لا حرب بالوكالة
من زاوية أخرى، يقرأ الصحافي السوري الأميركي ستيفن صهيوني المسألة من باب إدارة العلاقة الناشئة مع واشنطن. ويقول صهيوني، في حديث إلى “النهار”، إن ترامب “حاول دفع دمشق إلى مساعدة إسرائيل، الحليف الأبرز لواشنطن، في صراعها مع حزب الله”، لكن السلطات السورية تعاملت مع الطرح بحسابات مختلفة “بعد مشاورات ونصائح من حلفائها العرب ومن تركيا”.
ويضيف صهيوني أن سوريا “خرجت من حرب طويلة وتواجه أزمات اقتصادية وداخلية كبيرة”، فيما تعمل السلطة الحالية على إعادة ترتيب البيت الداخلي وفتح مسار الإعمار وجذب الاستثمارات. وهذه الأولويات، بحسب قوله، “لا تنسجم مع الدخول في صراعات المنطقة، لأن الاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة لا إلى حروب مفتوحة”.
ويشير صهيوني إلى أن السياسة السورية تقوم في هذه المرحلة على ما وصفه بـ”نهج صفر مشاكل”، أي محاولة تأسيس علاقات جيدة مع الجوار، وخصوصاً العراق ولبنان والدول العربية، والابتعاد قدر الإمكان عن الأزمات الإقليمية.
ويعتبر أن اللغط حيال زيارة محتملة للشرع لواشنطن، بالتزامن مع نفي التدخل في لبنان، “لا يدل على وجود خلاف سوري – أميركي كبير، ولا على محاولة فرض إملاءات مباشرة على دمشق”. فالعلاقة بين الطرفين، كما يرى، “لا تزال جديدة” بعد انقطاع وعداء امتدا لعقود، وتحتاج إلى إعادة بناء الثقة تدريجياً برعاية عربية.
أما مشاريع الكونغرس، فيضعها صهيوني في سياق منفصل. فهذا الملف يشكل هاجساً لدى دول أوروبية وعربية وكذلك لدى الصين، ويضع واشنطن تحت ضغط إيجاد صيغة للتعامل معه داخل سوريا. لكنه يستبعد تماماً أن يكون طرح هذه المشاريع مرتبطاً بالملف اللبناني أو باحتمال تدخل سوري في لبنان.
وبذلك، تبدو دمشق معنية بتطوير علاقتها مع الولايات المتحدة والاستفادة من الانفتاح السياسي والاقتصادي القائم، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب أدوار تتجاوز قدراتها الحالية أو تهدد أولوياتها الداخلية. وبين فرص التقارب مع واشنطن وتعقيدات الساحة اللبنانية، يبرز موقف الشرع محاولة لرسم حدود واضحة للشراكة الممكنة، من دون الانزلاق إلى مواجهة جديدة خارج الحدود.

