خرجت الولايات المتحدة من الحرب مع إيران متفوقة إستراتيجياً، حتى وإن لم تحقق ما يُوصف بـ”الضربة القاضية”، في مقابل سرديات أخرى تصف نتائج الصراع بأنها أقرب إلى خسارة أمريكية كبرى مماثلة لما حدث في حرب فيتنام، وفقًا لما أوردته “فورين بوليسي”.

ويُنظر إلى عملية “الغضب الملحمي” باعتبارها حققت معظم الأهداف المعلنة، من خلال إضعاف البرنامج النووي الإيراني، والقدرات العسكرية التقليدية، والبنية الصناعية الدفاعية، إلى جانب استهداف القيادة السياسية والعسكرية.

وفق هذا التقييم، دخلت إيران مرحلة تراجع غير مسبوقة منذ العام 1979، مع أزمة اقتصادية حادة تشمل تضخماً مرتفعاً، وانكماشاً متوقعاً للناتج المحلي بنسبة 6%، إضافة إلى خسائر حرب تُقدّر بنحو 270 مليار دولار، وتراجع في القدرة على التأثير الإقليمي.

وتعكس نتائج العمليات العسكرية، بحسب هذا الطرح، استمرار تفوق الولايات المتحدة في تنفيذ عمليات واسعة النطاق، مع توظيف الحرب كفرصة لاختبار تكتيكات وتسليحات جديدة يُتوقع استخدامها في سيناريوهات صراع مستقبلية محتملة في أوروبا أو آسيا، بما يعزز عنصر الردع تجاه قوى كبرى منافسة.

وفي المقابل، لم تُقدّم المواجهة جديداً يُذكر بشأن القدرة الإيرانية على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، إذ يُنظر إلى هذا التهديد باعتباره جزءاً ثابتاً من معادلات الجغرافيا العسكرية المعروفة لدى المخططين الإستراتيجيين منذ سنوات طويلة.

كما أظهرت الحرب استمرار امتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل القدرة على توجيه ضربات مباشرة للبنية القيادية والعسكرية والنووية الإيرانية، بما يعيد تثبيت معادلات الردع القائمة، حتى في ظل عدم الوصول إلى تغيير جذري في النظام السياسي الإيراني.

وعلى مستوى العلاقات الدولية، سُجلت توترات نسبية في علاقة واشنطن مع بعض الحلفاء الأوروبيين، مقابل تحسن ملحوظ في علاقاتها مع عدد من الشركاء في الشرق الأوسط، في ظل تصاعد المخاوف الإقليمية من تداعيات السلوك الإيراني، خاصة بعد استهدافات طالت مواقع مدنية في دول مجاورة.

وتبرز أزمة إغلاق مضيق هرمز باعتبارها الكلفة الاقتصادية الأكبر للحرب، بعدما أدت إلى اضطراب واسع في تدفقات الطاقة العالمية، وارتفاع معدلات التضخم، قبل أن تتجه الأطراف إلى مذكرة تفاهم تهدف إلى إعادة فتح المضيق، واستئناف حركة الطاقة، مقابل تخفيف محدود للعقوبات الاقتصادية.

وتنقسم بنية هذه المذكرة إلى مسارَين رئيسين؛ الأول فوري يتعلق بإعادة فتح الممر الملاحي مقابل تخفيف جزئي للعقوبات يبدأ تطبيقه بشكل مباشر، والثاني يمتد على مدى 60 يوماً، ويتعلق بمفاوضات أعمق حول البرنامج النووي الإيراني وإعادة الإعمار، مع استمرار الجدل حول قابلية تنفيذ هذا المسار الثاني عملياً.

وبحسب هذا التصور، لا يُتوقع أن تتخلّى إيران عن برنامجها النووي بالكامل، في حين لا تعتبر واشنطن أن التوصل إلى اتفاق نووي شامل ضرورة مُلحّة، في ظل الاعتقاد بأن البنية التحتية للتخصيب تعرضت لضربات كبيرة، وأن إعادة بنائها ستظل عرضة للاستهداف العسكري في أي وقت.

وفي موازاة ذلك، تستمر الدعوات داخل بعض الدوائر السياسية والعسكرية لتصعيد الضغط على إيران عبر عمليات عسكرية إضافية بهدف “إنهاء المهمة”، غير أن هذا الخيار لا يحظى بإجماع، في ظل تفضيل الإدارة الأمريكية نهج الضربات السريعة والمحدودة زمنياً بدلاً من الحروب الطويلة مفتوحة النهاية.

وتطرح القراءة المطروحة 3 سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة: الأول يتمثل في التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران خلال فترة قصيرة، وهو احتمال ضعيف. والثاني عودة التصعيد العسكري إذا فشلت المفاوضات النهائية، بما يعيد المواجهة المفتوحة إلى الواجهة. أمّا السيناريو الثالث، والأكثر ترجيحاً، فيتمثل في استمرار وقف إطلاق النار والترتيبات المؤقتة دون التوصل إلى اتفاق نهائي شامل، مع بقاء التوازن القائم دون حسم جذري.

وفي المحصلة، لا تبدو العودة إلى الوضع السابق للحرب توصيفاً دقيقاً للواقع الجديد؛ إذ دخلت إيران المواجهة بقدرات عسكرية وسياسية أكثر تماسكاً، لكنها خرجت منها في وضع أضعف نسبياً، بينما يواصل الخطاب الأمريكي التأكيد على أن واشنطن حققت “انتصاراً كاملاً وشاملاً”.