لم تعد كرة القدم مجرّد رياضة، بل منظومةً متكاملةً تعكس بعض ما يشهده العالم المعاصر من متغيّرات؛ حيث تشتبك قضايا العولمة والهجرة والهوية في سيولةٍ ثقافية، يُفترض أن تستفزّ مباحثَ واختصاصاتٍ شتى في العلوم الاجتماعية.

فرضت عولمة كرة القدم واقعاً جديداً، ففي أحيانٍ كثيرة، تضم المنتخبات خليطاً من اللاعبين ذوي الجذور الثقافية المختلفة والجنسيات المتعددة والانتماءات العابرة للحدود. أكثر من هذا، أصبحت هذه المنتخبات تقترن بإعادة صياغة رموز السيادة الوطنية، فعندما يقف لاعبو منتخبٍ متعدّد الأعراق والانتماءات من أجل عزف النشيد الوطني، فالمشهد يقدّم، في حد ذاته، إعادة تركيب للهوية، على اعتبار أن القميص، وإنْ يوحّد جميع اللاعبين تحت رايةٍ واحدة، إلا أنه لا يلغي التعدّدية الثقافية بين صفوفه.

في هذا الصدد، تشكل واقعةُ اللاعب السويدي، ذي الأصول التونسية، ياسين العياري، نموذجاً من هذه الهويات المركّبة؛ فقد رفض الاحتفال بالهدف الأول الذي سجله في مرمى المنتخب التونسي احتراماً لجذوره التونسية، قبل أن يعود ليسجد شكراً لله بعد تسجيله الهدف الثاني، ليثير جدلاً واسعاً داخل المجتمع السويدي. ففيما رأى طيفٌ من السويديين أن سلوكه يمسّ بالقيم الثقافية المسيحية التي ينهض عليها مجتمعهم، رأى آخرون أن سلوكه يؤشر على اندماج الجالية العربية والمسلمة وإثراءِ التنوع الثقافي في السويد.

تُحيل سجدة العياري على أرض الملعب إلى إمكانية حل معضلة الهوية لدى الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين في المجتمعات الأوروبية، ذلك أن هذه الأجيال لم تعد مجبرة على الاختيار الصعب والمكلف بين أن تكون أوروبيةً أو عربيةً أو أفريقية في انتماءاتها. أشّرت السجدة إلى تشكّل ما وصفته بعض الصحافة السويدية بـ”الإسلام الأصفر والأزرق” الذي يعيد تركيب الهوية السويدية، مع الحفاظ على نواتها الوطنية الصلبة، مثلما أشّر عدم احتفال اللاعب بالهدف المسجل في مرمى المنتخب التونسي على صعوبة القطع مع جذوره التونسية. وفي الوسع القول إن هذه السيولة الهوياتية تمنح القدرة على الحركة بين حلقات ثقافية مختلفة، من دون الشعور بالاغتراب.

قد تنطوي سجدة العياري على تسويةٍ ثقافيةٍ بين الانتماء الوطني (الواقعي) للسويد والانتماء الثقافي (الديني) الذي تجسده جذوره التونسية. بيد أن هذه التسوية، وإن بدت مؤشّراً على إمكانية التعايش بين انتماءات ثقافية متباينة داخل المجتمع الأوروبية (على الأقل من وجهة نظر اللاعب)، إلا أنها لا تبدو كذلك، في ظل استدعاء فئاتٍ واسعةٍ من السويديين الأسس الثقافية للقيم السويدية التي تتعارض مع القيم الثقافية (العربية الإسلامية) للاعب، وإن وُلد وترعرع تحت سماء السويد.

تعكس تناقضات الهوية أزمة العولمة وعجزها عن تقديم حلول (عملية) لما تشهده المجتمعات المعاصرة من تصدّعات هوياتية وثقافية؛ هل المهاجرون، بمن فيهم الأجيال الجديدة، مطالَبون بالانصهار الكامل في النظامين، الاجتماعي والثقافي، للبلد المُضيف، حتى يحوزوا القبول والاعتراف؟ هل يتناقض الاندماج مع التسامح إزاء الخصوصيات الثقافية والدينية، ما دامت لا تخرج عن مقتضيات المصلحة الوطنية العليا؟

ليس العياري وحده الذي يمثل هذه السيولة الهوياتية؛ هناك مئات من اللاعبين، ذوي الجذور العربية والأفريقية، الذين ينشطون في الدوريات الأوروبية، فمنهم من يختار (ربما بدافع براغماتي) اللعب للبلد الذي ولد ونشأ فيه، ومنهم من يختار بلد الآباء بتأثير بادٍ من محيطه العائلي، ولا سيما في ظل شعور أعداد كبيرة منهم بالفجوة الثقافية والاجتماعية التي تفصل بينهم وبين ثقافة البلد الذي ولدوا وترعرعوا فيه.

باتت كرة القدم مختبراً لقياس مدى قدرة المجتمعات الأوروبية على إدماج أبناء المهاجرين في نسيجيها الاجتماعي والثقافي. لم تعد الملاعب مجرّد حلباتٍ للتنافس بين الفرق والمنتخبات، بل أصبحت مساحاتٍ مفتوحة للاعتراف بالتنوّع والتعدّدية والعبور بين الانتماءات الثقافية، في ما يبدو تخطّياً للإدماج التقليدي (المؤسّسي والقانوني)، نحو تكريس هويات أكثر تركيباً واستعصاءً على التنميط. ولا شك أن هذه السيولة الهوياتية تُحوّل منتخبات كرة القدم إلى مختبراتٍ مفتوحةٍ للبحث السوسيولوجي، بما يوسع مدارات فهْمِ الديناميات التي تحكم المجتمعات المستضيفة للمهاجرين وتُوجّهها.