هوت أسعار النفط اليوم الاثنين، للجلسة الثالثة على التوالي، قرب مستويات ما قبل حرب إيران، بعدما فقد البرميل نحو 5% إضافية، مع تبخر سريع لعلاوة المخاطر عقب إعلان واشنطن وطهران الاتفاق على توقيع صفقة سلام مبدئية يوم الجمعة المقبل.

يرى محللون أن السوق بدأ يسرع خفض علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دفعت النفط فوق مستويات 100 دولار، مع تزايد الرهانات على احتواء التصعيد والتوصل إلى اتفاق يعيد فتح المضيق ويخفف القيود على الملاحة والطاقة في المنطقة.

وهبط الخامان القياسيان قرب أدنى مستوى منذ 4 مارس الماضي، إذ تراجع خام برنت من مستويات قاربت 96 دولاراً يوم الخميس الماضي، قبل أن يلغي الرئيس الأميركي ضربة ثالثة على طهران، ليفقد حتى الآن ما يقرب من 13 دولاراً خلال 3 جلسات فقط.

يعتقد محللون أن السوق يتحرك حالياً بسرعة أكبر من تطورات الواقع الميداني، إذ يجري تسعير سيناريو عودة الإمدادات بشكل شبه كامل حتى قبل التوقيع الرسمي على الاتفاق، وهو ما يفسر حدة موجة البيع الحالية في النفط. 

النفط اليوم.

انخفضت العقود الآجلة لخام برنت 4.15 دولار أو 4.75% قرب 83.2 دولاراً للبرميل، بحلول الساعة 02:50 بتوقيت غرينتش، في حين كان يتداول يوم 27 فبراير، قبل اندلاع الحرب بيوم واحد، قرب مستويات 72.8 دولاراً.
هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 4.8 دولار أو 5.6% إلى 80 دولاراً، مقارنة مع مستويات 67 دولاراً للبرميل قبل الحرب مباشرة.
كانت أسعار العقود الآجلة لخام برنت قد انخفضت يوم الجمعة 3.37% إلى 87.33 دولاراً للبرميل، مسجلة خسائر أسبوعية بلغت 6.2%.
تراجعت أسعار خام غرب تكساس تسليم يوليو 3.23% إلى 84.88 دولاراً للبرميل، لتسجل خسائر أسبوعية بلغت 6.25%.
تراجع الخامان القياسيان أيضاً 2.92% و2.58% على التوالي خلال جلسة الخميس الماضي، في واحدة من أسرع موجات تصحيح الأسعار منذ بداية الحرب. 

تفكيك علاوة المخاطر.

يعكس هذا التراجع السريع اقتناع جزء كبير من السوق بأن سيناريو الإغلاق الكامل والمستدام لمضيق هرمز أصبح أقل ترجيحاً، رغم استمرار المخاطر العسكرية وغياب اتفاق نهائي حتى الآن.

قال كبير محللي الأسواق لدى «كيه سي إم تريد» تيم ووترر: «علاوة المخاطر الجيوسياسية التي انعكست في أسعار النفط الخام يجري الآن تفكيكها بوتيرة قوية، مع ترقب المتداولين استئناف تدفقات النفط».

ووترر أضاف أن الأسواق بدأت تنظر إلى الحرب باعتبارها أزمة مؤقتة قابلة للاحتواء، بعدما كانت تتعامل معها سابقاً على أنها تهديد مفتوح قد يقود إلى شلل طويل الأمد في إمدادات الطاقة العالمية.

الشريك في شركة «أجين كابيتال» جون كيلدوف قال في مذكرة: «ما أدى إلى انخفاض السوق هو إعلان الإيرانيين عن وجود مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة».

كذلك أضاف كيلدوف أن الأسواق باتت تتفاعل مع أي إشارة دبلوماسية بسرعة استثنائية، بعدما أنهكتها أشهر طويلة من التقلبات الحادة والتصريحات المتضاربة بشأن مستقبل الحرب. 

عناوين الأخبار.

قال المحلل لدى «بي في إم أويل أسوشيتس» تاماس فارغا: «عناوين الأخبار هي التي تقود السوق مرة أخرى، مع تنامي الثقة في التوصل في نهاية المطاف إلى اتفاق وفتح المضيق».

لكنه أضاف في مذكرة: «مصدر القلق الذي يستدعي الحذر هو أن مخزونات النفط العالمية والإقليمية لا تزال منخفضة، وقد تنخفض أكثر حتى مع وجود اتفاق، إذ سيستغرق الأمر وقتاً لضمان تدفق النفط دون انقطاع».

وأشار فارغا إلى أن عودة حركة الشحن والتأمين البحري إلى طبيعتها لن تحدث فوراً، حتى مع توقيع الاتفاق، إذ لا تزال شركات الشحن العالمية تتعامل بحذر مع المرور عبر الخليج بعد أشهر من التهديدات والهجمات.

أما «غولدمان ساكس» فخفض توقعاته لمتوسط سعر خام برنت لعام 2027 إلى 80 دولاراً للبرميل، مشيراً إلى نمو أقوى في المعروض وضعف مستمر في الطلب العالمي.

لكن خبراء البنك توقعوا أيضاً أن تظل الأسعار أعلى من متوسطات ما قبل الحرب خلال 2025، بسبب إعادة بناء مخزونات النفط التجارية لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إضافة إلى استمرار علاوة التأمين ضد الاضطرابات الجيوسياسية.

موظف في شركة نفط البصرة خلال تفقده عمليات الإنتاج في حقل نهر بن عمر للنفط والغاز جنوب العراق، 29 أبريل 2026.المصدر: (أ ف ب)

اكتمال الاتفاق.

كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصته «تروث سوشال» عند الساعة 5:30 مساء بالتوقيت المحلي في واشنطن (21:30 بتوقيت غرينتش): «الاتفاق مع جمهورية إيران الإسلامية اكتمل الآن».

وكتب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في منشور على منصة «إكس»، أن الاتفاق سيُوقع رسمياً يوم الجمعة في سويسرا، وينص على الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.

تهديد.

جرى التوصل إلى الاتفاق رغم شن إسرائيل هجوماً على لبنان يوم الأحد، ما أثار انتقادات من إيران وترامب على حد سواء، في حين قالت إسرائيل إنها ستحتفظ بحرية العمليات في لبنان، بينما جعلت طهران وقف إطلاق النار الكامل عنصراً أساسياً ضمن مطالبها.

وقال كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، في منشور على منصة «إكس»، إن الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت يظهر «افتقار الولايات المتحدة إلى الإرادة والقدرة على الوفاء بالتزاماتها».

وتوعدت طهران برد قوي، وقالت قيادتها العسكرية المشتركة العليا: «الإصبع على الزناد جاهز لإطلاق النار على قلب العدو».

كما يرى محللون أن هذه التطورات تعكس هشاشة الاتفاق منذ لحظاته الأولى، إذ إن أي اشتباك جديد أو تصعيد غير محسوب قد يعيد السوق سريعاً إلى سيناريو الخوف من تعطل الإمدادات وارتفاع الأسعار مجدداً. 

حذر قائم.

قال محلل السوق لدى «آي جي» توني سيكامور: «في حين أن هذا قد يكون، بالطبع، مجرد أمل كاذب آخر، فإن رد فعل السوق كان سريعاً وقاطعاً».

كتب سيكامور في مذكرة: «حتى مع انخفاض أسعار النفط، ما دام السعر يمكن أن يظل فوق مستوى 80 دولاراً، فإن المخاطر تميل بقوة إلى دفع الأسعار نحو الارتفاع».

وأضاف: «قد تكون الأنباء الإيجابية بشأن صفقة سلام محتملة ضغطت الأسعار، لكن إن لم يتم تأكيد تلك الأخبار فمن المرجح أن تعود الأسعار إلى الارتفاع حتى إشعار آخر، إذ إن الأسواق ملت الحديث عن اتفاق سلام تهدده خروقات كبيرة».

كما يرى محللون أن السوق لا يزال يتعامل بحذر مع أي حديث عن السلام، خصوصاً أن التجارب السابقة أظهرت هشاشة الاتفاقات المؤقتة وسرعة انهيارها مع أي تصعيد ميداني جديد.

خزانات نفط في مصفاة لوس أنجلوس التابعة لشركة «ماراثون بتروليوم»، في كارسون، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأميركية، في 11 مارس 2022المصدر: «رويترز»

نقطة الذروة.

كتب محللو «آي إن جي»: «نعتقد أن السوق سيصل إلى نقطة تحول في أواخر يوليو إذا لم نشهد استئناف تدفقات النفط قبل ذلك، عندها ستدفع مستويات المخزون والطلب الموسمي الأقوى أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير نحو 120 ـ 130 دولاراً للبرميل».

وخفضت منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» يوم الخميس توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2026 إلى 970 ألف برميل يومياً من 1.17 مليون برميل يومياً سابقاً، مسجلة بذلك ثاني مراجعة هبوطية متتالية.

قالت «أوبك» إن الاستهلاك قد ينتعش لاحقاً، ما دفعها إلى رفع توقعاتها لنمو الطلب لعام 2027، إذ تتوقع ارتفاع الطلب على النفط بمقدار 1.73 مليون برميل يومياً، بزيادة قدرها 190 ألف برميل يومياً عن تقديراتها السابقة.

كما يرى بعض الخبراء أن التراجع الحاد الحالي قد يتحول إلى فرصة شراء جديدة إذا تأخر تنفيذ الاتفاق أو ظهرت عراقيل سياسية وعسكرية تمنع عودة الإمدادات بالسرعة التي تراهن عليها الأسواق.