بعد سنوات من التهديد الذي تسبّبت به الطائرات المسيرة في العراق، سواء في استهداف القواعد العسكرية أو المنشآت الحيوية أو حتى في النزاعات بين الجماعات المسلحة، وما نتج عنه من انعكاسات أخرى على الواقع الاقتصادي والسياسي، وجّه مجلس القضاء الأعلى في البلاد المحاكم المختصة بتطبيق أحكام قانون مكافحة الإرهاب بحق كل من يقوم بـ”صناعة أو استخدام أو حيازة” الطائرات المسيرة التي تستعمل لأغراض وأنشطة مخالفة للقانون، في خطوة عدها مراقبون تصعيداً قانونياً غير مسبوق في التعامل مع هذا الملف الأمني.
وذكر المجلس، في بيان، أمس الأربعاء، أن التوجيه “يشمل اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق الأشخاص الذين يثبت تورطهم بهذا الصدد”، مؤكداً أن “هذا الإجراء يأتي في إطار تعزيز الأمن والاستقرار والتصدي لأي ممارسات قد تهدد السلم المجتمعي، أو تُستغل في ارتكاب أعمال مجرّمة”، مشدداً على ضرورة “تطبيق النصوص القانونية النافذة بحق المخالفين”.
تنسيق حكومي قضائي لمواجهة السلاح المنفلت.
وقال مسؤول حكومي مطّلع، طلب عدم ذكر اسمه لـ”العربي الجديد”، إن توجيه مجلس القضاء الأعلى “لم يأتِ بمعزل عن توجهات الحكومة الحالية الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية”، مشيراً إلى أن “هناك تواصلاً وتنسيقاً قائماً بين الحكومة والقضاء بشأن عدد من الملفات المرتبطة بالأمن الوطني، ومنها ملف السلاح المنفلت”. وأضاف المصدر أن “دخول القضاء على خط ملف المسيرات جاء دعماً للإجراءات الحكومية الهادفة إلى منع استخدام الوسائل المسلحة خارج الأطر القانونية”، لافتاً إلى أن “الخطوة الحالية لن تكون الأخيرة، بل تندرج ضمن خطوات أوسع نحو إجراءات تنظيمية وقانونية وأمنية أخرى خلال المرحلة المقبلة لتعزيز سيطرة الدولة على هذا الملف”.
القضاء يدعم سلطة الدولة.
ويؤشر القرار إلى توجه رسمي نحو الانتقال من الاكتفاء بالإجراءات الأمنية التقليدية إلى بناء غطاء قانوني وقضائي يسمح بملاحقة المتورطين في تشغيل أو امتلاك المسيرات التي تستخدم في أعمال تهدد الأمن في البلاد. وفي هذا الشأن، رأى الأكاديمي العراقي المختص في الشأن السياسي، عبد المنعم الصالحي، أن أهمية التحرك القضائي تكمن بأنه “يمنح مؤسسات الدولة أداة قانونية أكثر صرامة في مواجهة ظاهرة مثلت تحدياً أمنياً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة”، مبيناً لـ”العربي الجديد” أن “القضاء الآن يؤدي دوراً محورياً في ترسيخ سلطة الدولة عندما يتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة وفق النصوص القانونية النافذة”.
وأشار إلى أن “نتائج القرار يمكن أن تكون إيجابية ومؤثرة في ملف السلاح إذا جرى تطبيقها بصورة جدية ومن دون استثناءات”، مشدداً على أن “التحدي الأكبر لا يكمن في إصدار التوجيهات أو القرارات، بل في القدرة على تنفيذها عملياً، خاصة في ظل وجود فصائل مسلحة لا تزال ترفض أي خطوات تتعلق بتسليم سلاحها أو إخضاعه لسلطة الدولة”. وأضاف أن “نجاح هذا التوجه سيقاس بمدى شمول تطبيق القانون على جميع الأطراف من دون تمييز، لأن الانتقائية في التنفيذ قد تضعف من تأثير الرسائل التي يحملها القرار”.
وتحوّلت الطائرات المسيرة، التي تمتلكها الفصائل العراقية، إلى إحدى أبرز أدوات الصراع الأمني في العراق، إذ ارتبطت بهجمات كثيرة استهدفت قواعد عسكرية تضم قوات أجنبية ومستشارين دوليين، فضلاً عن استهدافها منشآت اقتصادية ونفطية وبنى تحتية حساسة في البلاد، وقد أثارت المسيّرات مخاوف متزايدة في البلاد، خصوصاً مع تأثيرها في بيئة الاستثمار وثقة الشركات الأجنبية، إلى جانب ما تسببه من تهديدات مباشرة للأمن المجتمعي وإمكانية جر البلاد إلى توترات أمنية أو سياسية متكررة.
ويأتي التوجيه القضائي في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تعزيز احتكار الدولة السلاح ومنع امتلاك أو استخدام الوسائل القتالية خارج المؤسسات الرسمية، وسط توقعات بأن مواجهة تحديات المرحلة المقبلة لن تقتصر على ضبط السلاح الخفيف فحسب، بل ستشمل أيضاً التقنيات الحديثة التي باتت توفر للجماعات المسلحة قدرات هجومية مؤثرة ومنخفضة الكلفة في آن واحد. وفي وقت ينظر فيه إلى قرار مجلس القضاء الأعلى بوصفه خطوة داعمة لمساعي الحكومة في فرض سلطة القانون، تتجه الأنظار إلى المرحلة التالية، وما إذا كانت الإجراءات القضائية ستتحول إلى أدوات تنفيذية فعّالة قادرة على الحد من ظاهرة المسيرات المنفلتة، أم أن تعقيدات المشهد السياسي والأمني ستبقي هذا الملف واحداً من أكثر الملفات حساسية في العراق.

