تاسوعاء وعاشوراء.. يومان غيّرا مجرى التاريخ.
بقلم: د. إيمان السخاوي
مدرب معتمد و مؤسس أثر للتعليم و التدريب و التنمية المستدامة.
في أحد الأزمنة البعيدة، كان هناك رجلٌ صالح يحمل رسالة الحق، يقف أمام طاغية ظنّ أن الدنيا ملكٌ له، وأن الناس عبيدٌ لأمره. كان الطاغية هو فرعون، وكان الرجل الصالح هو موسى عليه السلام.
سنوات طويلة عاشها بنو إسرائيل تحت وطأة الظلم والقهر، حتى ضاقت الصدور، وارتفعت الدعوات إلى السماء. وفي ليلة من الليالي، جاء الأمر الإلهي لموسى أن يخرج بقومه هاربًا من بطش فرعون.
تحرك الركب في ظلام الليل، والقلوب معلقة بالأمل. لكن المفاجأة كانت قاسية؛ فالبحر أمامهم، وجيش فرعون خلفهم.
نظر الناس حولهم، فارتجفت القلوب وقالوا: “إنا لمدركون!”
كانت كل الحسابات البشرية تقول إن النهاية اقتربت، وأن الهلاك لا مفر منه.
لكن موسى، بقلب امتلأ يقينًا بالله، قال كلمته الخالدة: “كلا إن معي ربي سيهدين.”
وفي لحظةٍ لم يتوقعها أحد، انشق البحر بأمر الله، وتحول المستحيل إلى طريق نجاة، وعبر المؤمنون سالمين، بينما انتهى الطغيان في أعماق الماء.
ومن هنا جاء يوم عاشوراء، اليوم الذي نجّى الله فيه موسى وقومه، وأهلك الظالمين.
وعندما قدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وجد اليهود يصومون هذا اليوم شكرًا لله على نجاة موسى، فقال:
“نحن أحق بموسى منهم.” فصامه وأمر بصيامه، ثم أرشد إلى صيام يوم قبله، وهو تاسوعاء، مخالفةً لأهل الكتاب وإحياءً لمعنى الطاعة والاتباع.
العبرة التي نحتاجها اليوم.
ليست قصة عاشوراء مجرد حدث تاريخي نرويه كل عام، بل رسالة متجددة لكل إنسان يمر بضيق أو أزمة.
كم من شخص وقف أمام مشكلة ظن أنها بحر لا يُشق؟ وكم من أب أو أم ظن أن تربية الأبناء أصبحت مستحيلة؟ وكم من شاب رأى مستقبله يضيع أمام عينيه؟
في كثير من الأحيان نرى البحر أمامنا، ولا نرى الطريق الذي أعدّه الله لنا.
يعلمنا عاشوراء أن الفرج قد يأتي في اللحظة التي نظن فيها أن كل الأبواب أُغلقت، وأن اليقين بالله ليس كلمات تُقال، بل قوة تدفع الإنسان للاستمرار رغم الخوف.
أما تاسوعاء فيذكرنا أن الطاعة الحقيقية ليست فقط في أداء العبادات، بل في الاقتداء بالنبي واتباع هديه حتى في التفاصيل الصغيرة.
الدرس المستفاد.
ليس كل بحرٍ أمامك نهاية، فقد يكون بداية لمعجزة.
وليس كل تأخير حرمانًا، فقد يكون إعدادًا لفرج أعظم.
فإذا ضاقت بك الدنيا يومًا، فتذكر موسى أمام البحر، وتذكر أن من شق البحر قادر على أن يفتح لك من أبواب الخير ما لم يخطر لك على بال.
فالثقة بالله تصنع من المستحيل طريقًا، ومن الخوف نجاة، ومن المحنة منحة.
تاسوعاء وعاشوراء.. يومان غيّرا مجرى التاريخ.

