بين التوترات في الشرق الأوسط، والحرب الروسية في أوكرانيا، ووسط الأزمات التجارية مع الحلفاء، وإعادة الملاحة في مضيق هرمز، تنطلق قمة مجموعة السبع الكبرى الثانية والخمسين في المنتجع الفرنسي (إيفيان ليه بان) اليوم الاثنين وتستمر ثلاثة أيام.
القمة تنعقد في وقت يشهد فيه العالم تحولات جيوسياسية متسارعة تفرض على القادة البحث عن توازنات جديدة في نظام دولي يزداد تعقيدا يوما بعد يوم.
ومن منتجع صحي هادئ إلى “قلعة دبلوماسية” محصنة تستضيف مدينة إيفيان الفرنسية القمة لبحث عدد من القضايا السياسية والاقتصادية الكبرى التي تشغل العالم.
ملفات اقتصادية وتنموية على أجندة القمة.
من المنتظر أن يجتمع زعماء دول مجموعة السبع، وهي بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة إلى جانب الاتحاد الأوروبي و قادة عرب وفى المقدمة الرئيس عبد الفتاح السيسى، وذلك في بلدة إيفيان-لي بان الفرنسية، في أول “قمة” من نوعها منذ أن بدأت الولايات المتحدة الحرب على إيران.
ومن المقرر أن تناقش القمة عددًا من القضايا الدولية المهمة، من بينها تعزيز النمو الاقتصادي العالمي، وتسوية الأزمات الجيوسياسية وتداعياتها على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، إلى جانب تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
الذكاء الاصطناعي والرقمنة ضمن أولويات المناقشات.
كما تبحث القمة أوجه التعاون الدولي في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي، في ظل التوسع العالمي في استخدام التكنولوجيا الحديثة وتأثيرها على مختلف القطاعات الاقتصادية والتنموية.
كما يتضمن جدول الأعمال مناقشة تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي وحماية الأطفال على الإنترنت.
ومن المتوقع أن يتحدث في إيفيان عدد من كبار ممثلي قطاع التكنولوجيا، من بينهم الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن.إي”، سام ألتمان.
اتفاق أمريكي إيراني وشيك.
وفيما يتعلق بالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فتطرح تساؤلات حول إمكانية التوصل إلى اتفاق أمريكي-إيراني قبل انطلاق القمة، وهو أمر ألمح إليه ترامب مرارا. وسواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا، فإن الأوروبيين يركزون بشكل خاص على ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام الملاحة.
وقد تسعى فرنسا وبريطانيا إلى كسب الدعم لمهمة عسكرية تخططان لها بهدف تأمين حركة الشحن البحري بعد انتهاء القتال. كما أبدى الجيش الألماني استعداده للمشاركة إذا توفرت الشروط المناسبة لذلك.
ورغم أن الصين ليست عضوا في مجموعة السبع، فإنها تحضر بصورة غير مباشرة في النقاشات المتعلقة بتقليص الاختلالات الاقتصادية العالمية. ويشمل ذلك ضمان إمدادات المواد الحيوية، مثل المعادن النادرة التي تعد ضرورية للصناعات الحديثة.
حرب أوكرانيا والأفق المسدود.
فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، يسعى البلد المضيف إلى دفع الولايات المتحدة لإعادة تنشيط المفاوضات مع روسيا، من دون مطالبة أوكرانيابتقديم تنازلات كبيرة.
ومن المقرر أن يشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في القمة يوم الثلاثاء، وأن يلتقي ترامب هناك، بحسب ما أُعلن في واشنطن.
وكان المفاوضون الأمريكيون قد درسوا لفترة منح روسيا كامل منطقة دونباس شرقي أوكرانيا. إلا أن مسؤولين في برلين يرون أن أوكرانيا أصبحت الآن في موقع أقوى، مؤكدين أن «نافذة جديدة للدبلوماسية قد بدأت تنفتح تدريجيًا».
ملف مضيق هرمز فى قمة السبع.
يحتل ملف مضيق هرمز موقع الصدارة لفرنسا فى أجندة القمة، إذ تطرح باريس مقترحاً بنشر تحالف بحرى يُعيد فتح حركة الملاحة فى المضيق، بما يتيح للطرفين الإيرانى والأمريكى المرونة اللازمة لمواصلة مفاوضاتهما حول القضايا الجوهرية.
وبحسب مصادر مطلعة فى قصر الإليزيه، ثمة توافق داخل المجموعة على صياغة مطالب مشتركة موجهة لإيران تشمل برنامجها النووى وبرنامجها الباليستى وسياستها الإقليمية، فضلاً عن تقليص المخاطر المحدقة ببنية الطاقة التحتية وتفادى صدمات مستقبلية فى أسواقها.
وتسعى القمة كذلك إلى دعم جهود التصدير الآمن والأسرع للنفط والغاز، وربما الهيدروجين مستقبلاً، عبر المحيط الهندى والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.
القضية الفلسطينية فى قمة السبع.
لا تغيب القضية الفلسطينية عن أجندة إيفيان؛ إذ تعتزم فرنسا رفع توصيات مؤتمر «نداء باريس 2026» لحل الدولتين إلى قادة القمة، تذكيراً بأن الصراع فى فلسطين يظل جذر الأزمة فى المنطقة، لا سيما فى ظل حضور الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، الذى يُعد الطرف الأقدر على ممارسة الضغط على إسرائيل.
ويدعو النداء إلى وقف إطلاق نار دائم فى غزة، وفتح ممرات المساعدات الإنسانية، وإعادة إعمار القطاع، ووقف عنف المستوطنين وأعمال البناء الاستيطانى، ورفض أى مسعى لفصل الضفة الغربية، مع التأكيد على أن حل الدولتين يبقى السبيل الوحيد لإنهاء الصراع الفلسطينى الإسرائيلى.
الصعيد الاقتصادي.
تتصدر جدول أعمال إيفيان أربع أولويات:
معالجة الاختلالات فى الاقتصاد الكلى المتمثلة فى تفاوت الإنتاج والتصدير والاستهلاك بين دول المجموعة.
الالتزام بجدول أعمال مشترك للنمو المستدام، ومتابعة هذا العمل فى إطار مجموعة العشرين بالتنسيق مع الاقتصادات الكبرى.
الاستعانة بخبرة صندوق النقد الدولى لتقييم السياسات الوطنية وتحقيق التوازن المنشود.
كما تناقش القمة ملف المعادن الحيوية وأبعاده المتعلقة بالسيادة الاقتصادية، إلى جانب تسريع أبحاث مكافحة السرطان، وحماية الأطفال على الإنترنت، ودعم الاستثمار التضامنى فى الدول الأكثر هشاشة، فضلاً عن بحث تأمين موقع تشيرنوبيل وشبكات الطاقة الأوكرانية.
إجراءات أمنية مشددة.
ونظراً للحضور المرتقب لقادة الدول السبع، بالإضافة إلى قادة دوليين بارزين تمت دعوتهم للقمة يمثلون قوى إقليمية واقتصادية واعدة، تنعقد القمة وسط إجراءات أمنية مشددة وغير مسبوقة، ففي الجانب الفرنسي، تم نشر نحو 16 ألف عنصر من قوات الأمن ورجال الإطفاء. أما سويسرا، التي توفر مطار جنيف لاستقبال الوفود الرسمية، فتشارك بحوالي 4000 جندي في عمليات التأمين.
أعلنت وزارة الجيوش الفرنسية عن خطة أمنية شاملة بالتعاون مع قوات الأمن الداخلي؛ إذ يشارك الجيش الفرنسي عبر عملية “سنتينيل” بمراقبة الحدود البرية والبحيرية، وتأمين المواقع الحيوية، ونشر وحدات عسكرية متخصصة في التعامل مع المتفجرات والأمن السيبراني.
أما في الأجواء، فيتولى جيش الطيران والفضاء -تحت سلطة رئيس الوزراء المباشرة- إدارة المنظومة الخاصة للأمن الجوي.
وأكدت وزارة الجيوش الفرنسية، في مؤتمر صحفي، أنه تم فرض “فقاعة حماية جوية معززة” تطوق سماء إيفيان على مدار 24 ساعة لضمان المراقبة الدائمة والرصد الفوري لأي اختراق، موضحة أن المنظومة ضخمة للغاية وتعمل بتنسيق وثيق ثنائي وثلاثي الأبعاد مع السلطات المدنية.
وأضافت وزارة الجيوش أن هناك تنسيقاً في هذا الشأن مع الجانب السويسري منذ خريف 2025 لإطلاق المنظومة القائمة حالياً.
من جانبه، يشارك الجيش السويسري بقوة دعم لوجستي وعسكري موسعة تضم آلاف الجنود (وقد تصل إلى نحو 5000 عسكري وفق الحاجة الميدانية) لتأمين الأجواء والمياه المشتركة لبحيرة جنيف، لا سيما وأن الوفود تستغل مطار جنيف القريب للوصول إلى إيفيان عبر المروحيات في غضون دقائق، حيث تم تجهيز مهبط فندق “رويال” والملعب البلدي للمدينة لاستقبال الطائرات المروحية. وتصر السلطات السويسرية والفرنسية على ضبط الأمن بشكل صارم.
ورغم التقييد المؤقت لحركة مرور السكان المحليين لمدينة إيفيان، إلا أن الأوساط المحلية تعتبر أن هذه القمة تقدم ترويجا سياحيا واقتصاديا هائلاً لمدينتهم الساحرة.
قمة إعادة التقارب فى فرنسا.
وصف المسؤولون الفرنسيون قمة إيفيان بأنها قمة «إعادة التقارب» حول القضايا الكبرى، فى مقدمتها التعامل مع الأزمات الدولية المتشابكة التى تُلقى بثقلها على الاقتصاد العالمى، لا سيما ما يتصل بإمدادات الطاقة والغذاء.
وتُفتتح القمة بجلسة تجمع قادة المجموعة منفردين، تتلوها فى اليوم الثانى جلسة مخصصة لملف أوكرانيا بحضور الرئيس فولوديمير زيلينسكى، فى ظل تحمّل أوروبا ما يقارب 100% من المساعدات المقدمة لكييف، وسط مساع لتشجيع مفاوضات بين موسكو وكييف لإنهاء الحرب، ثم تعقد جلسة عمل موسعة تضم قادة المجموعة ونظراءهم من الدول العربية المدعوة لبحث الأوضاع فى الشرق الأوسط والمنطقة العربية، فى جلسة تُعدّ من أبرز محطات القمة لما تتناوله من ملفات مصيرية.
المشاركون بالقمة.
القمة فى صدارة المشاركين قادة دول المجموعة السبع، وهم: المستشار الألمانى فريدريش ميرتس، ورئيس الوزراء الكندى، مارك كارنى، والرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، والرئيس الفرنسى، إيمانويل ماكرون، ورئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلونى، ورئيسة وزراء اليابان، ساناى تاكايشى، ورئيس الوزراء البريطانى، كير ستارمر.
ويمثل الاتحاد الأوروبى رئيس المجلس الأوروبى، أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين.
وفى إطار الانفتاح على الشراكات الدولية، دعت فرنسا 5 شركاء آخرين من خارج المجموعة هم: مصر ممثلة فى الرئيس عبد الفتاح السيسى، والبرازيل بالرئيس لولا دا سيلفا، وكوريا الجنوبية بالرئيس جاي-ميونغ لى، والهند برئيس الوزراء، ناريندرا مودى، وكينيا بالرئيس وليام روتو.
أما على صعيد الضيوف الدوليين، فيحضر القمة الرئيس الأوكرانى، فولوديمير زيلينسكى، وأمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثانى، ورئيس الإمارات، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. كذلك يشارك كمساهمين فى أعمال القمة كلٌّ من: المديرة العامة لصندوق النقد الدولى، كريستالينا جورجييفا، ورئيس مجموعة البنك الدولى، أجاى بانغا، ورئيس البنك الأفريقى للتنمية، سيدى أولد تاه، والأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (OCDE) ماتياس كورمان.
إيفيان.. موقع جاذب لاستضافة القمم التاريخية.
وتقع “إيفيان لابان” في إقليم “ساڤوا العليا” شرق فرنسا، وتتميز بموقع جغرافي فريد؛ إذ تقبع في حضن جبال الألب وتطل مباشرة على الضفة الجنوبية لبحيرة جنيف (ليمان)، مواجهةً مدينة لوزان السويسرية.
وتعد تلك البلدة الصغيرة التي لا يتجاوز سكانها 9 آلاف نسمة مكاناً جاذباً لاستضافة القمم التاريخية واللقاءات الدبلوماسية الأكثر حساسية في العالم؛ فمنذ نهاية القرن الثامن عشر واكتسابها شهرة واسعة بفضل مياهها المعدنية الطبيعية ونبع “كاشا” الشهير، تحولت إلى منتجع صحي فاخر يقصده الملوك والأثرياء للاستشفاء، إلا أن التاريخ سجل لهذه المدينة فصولاً سياسية لا تُنسى.
ففي عام 1938، احتضنت المدينة “مؤتمر إيفيان” لبحث أزمة اللاجئين في أوروبا بدعوة من الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت.
وفي مارس 1962، كانت المدينة مسرحاً لتوقيع “اتفاقيات إيفيان” التاريخية التي وضعت حداً لحرب الجزائر وأقرت استقلالها بعد مفاوضات شاقة وتوترات سياسية كبرى.
واستمراراً لهذا الإرث، احتضنت المدينة اللقاءات السنوية الفرنسية الألمانية منذ عام 1992، وتوجت مسيرتها باستضافة قمة مجموعة الثماني (G8) في يونيو 2003، قبل أن يجدد “قصر الإليزيه” ثقته بها مجدداً لاستضافة قمة مجموعة السبع هذا العام.
حصن طبيعي.
ولم يكن اختيار “الإليزيه” لإيفيان وليد الصدفة، بل تحكمت فيه معايير جغرافية ولوجستية تجعل منها “حصناً طبيعياً” يسهل تأمينه؛ حيث تشير جوزيان لي، عمدة إيفيان، إلى الصعوبة الطبيعية للوصول إلى المدينة برياً، قائلة: “البحيرة من جهة، والجبل من جهة أخرى، وفي الشرق تحدنا الحدود السويسرية، بينما يفصلنا نهر عن جارتنا (تونون لابان) من الغرب.. باختصار؛ تأمين المدينة أمر سهل تكتيكياً”.
وإلى جانب العزل الجغرافي، توفر المدينة بنية تحتية فندقية ضخمة تصل إلى 10 آلاف سرير سياحي لاستيعاب أعضاء الوفود وقوات الشرطة والإعلاميين. ويمثل مجمع “إيفيان ريزورت” الفاخر النواة الصلبة للقمة، حيث يقيم قادة الدول السبع الكبرى ووفودهم في فندق “لو رويال” ذي الخمس نجوم، والمحاط بحديقة شاسعة تمتد على 19 هكتاراً، مما يوفر عزلاً تاماً للقادة وعودة إلى الهدوء والطبيعة بعيداً عن صخب العواصم.
وبين بريق الدبلوماسية وطبيعة جبال الألب الساحرة، تبدأ إيفيان المحصنة غداً ولمدة ثلاثة أيام كتابة فصل جديد من تاريخ العلاقات الدولية والقرارات المصيرية، لتصبح المياه الهادئة لبحيرة ليمان شاهداً جديداً على صياغة سياسات العالم.

