عباس حيدر –  أستاذ جامعي.

 

 

كثيراً ما يُختزل مفهوم الشّعبوية بكونه خطاباً قريباً من عامّة النّاس أو معبّراً عن همومهم، لكنّ الشّعبوية في حقيقتها ليست انحيازاً للفقراء أو للجماهير، بل هي أسلوب سياسي يقوم على تبسيط القضايا المعقّدة، وإثارة العواطف الجماعية، وتقسيم المجتمع بين “شعب نقيّ” و”نخب فاسدة” أو “أعداء متآمرين”، بحيث يصبح الولاء للخطاب أهمّ من النّقاش العقلاني للوقائع.

ومن هنا، فإنّ الشّعبوية ليست حكراً على تيار سياسي أو أيديولوجي بعينها. فهي تظهر في الحركات الإسلامية كما تظهر في الحركات القومية، وفي اليسار كما في اليمين، وفي الشرق كما في الغرب. والّلافت أنّ الخطابات الشّعبوية، رغم اختلاف المرجعيات الفكرية والثقافية، تبدو متشابهة بصورة مدهشة في بنيتها الدّاخلية وآليات عملها.
فاليمين الشعبوي في الغرب يبني خطابه على استنهاض المخاوف المرتبطة بالهوية والهجرة والعولمة، ويقدّم نفسه باعتباره المدافع الوحيد عن “الشعب الحقيقي” في مواجهة النّخب السياسية والإعلامية. وفي المقابل، يلجأ بعض الحركات الإسلامية إلى خطاب مشابه من حيث البنية، وإن اختلفت المفردات، فيطرح نفسه ممثلاً حصرياً للأمّة أو للدّين أو للمقاومة، ويصوّر الخصوم على أنّهم أدوات لمشاريع خارجية أو خصوم للقيم الأصيلة.
إنّ التشابه هنا ليس في المضمون، بل في الطّريقة. فالشعبوية تمتلك قدرةً كبيرة على إعادة إنتاج نفسها في كل زمان ومكان، لأنّها تعتمد على آليات نفسيّة واجتماعيّة متشابهة: صناعة الخوف، وتضخيم الأمل، وتقديم حلول بسيطة لمشكلات معقّدة، وتحويل السياسة من مجالٍ للنّقاش العقلاني إلى ساحة تعبئة عاطفية دائمة.
ولهذا، فإنّ الشعبوية ظاهرة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. إنّها خطاب متناظر في التّجانس الزماني والمكاني؛ يتغيّر الشّعار، لكن تبقى البنية واحدة. قد يكون العدوّ في مكانٍ ما هو المهاجر، وفي مكان آخر هو الإمبريالية، وفي مكان ثالث هو النّخبة السياسية أو الطائفة المنافسة، لكنّ المنطق نفسه يبقى حاضراً: حشد الجماهير عبر العاطفة، وتبسيط الواقع، وإقصاء التّعقيد.
إنّ التحدّي الحقيقي أمام المجتمعات الحديثة لا يكمن في مواجهة تيار سياسي بعينه، بل في تعزيز الثقافة النّقدية التي تسمح للمواطن بالتّفريق بين الخطاب الشعبي الذي يعبر عن مصالح الناس، والخطاب الشعبوي الذي يستثمر مشاعرهم. فالأوّل يوسّع مساحة العقل والحوار، بينما الآخر يختزل السياسة بالتّصفيق والهتاف والانقسام.
وحين تضعف المؤسّسات ويشتدّ القلق الاجتماعي والاقتصادي، تزدهر الشّعبوية بكلّ أشكالها، لأنّ النّاس تبحث عن اليقين السّريع وسط عالم معقّد. لذلك، فإنّ بناء الدّولة وتعزيز المواطنة وترسيخ ثقافة النّقد والمساءلة، تبقى السدّ الحقيقي في مواجهة الشّعبوية، مهما كان لونها الأيديولوجي أو موقعها الجغرافي.