قد تنتهي الحرب، وقد يدخل لبنان فعلاً في مسار جديد عنوانه وقف إطلاق النار الشامل، لكن المؤكد أن نهاية الأعمال العسكرية لن تعني نهاية الأزمة، بل ربما تكون بداية مرحلة أكثر تعقيداً وحساسية. فالمعطيات المتوافرة تشير إلى أن لبنان بات جزءاً مباشراً من مسار التفاوض الإقليمي المفتوح بين واشنطن وطهران، وأن أي تفاهم أميركي – إيراني مقبل ستكون له انعكاسات مباشرة على الساحة اللبنانية، خصوصاً بعدما ربطت إيران وقف الأعمال القتالية على مختلف الجبهات، ومن بينها الجبهة اللبنانية، بأي تفاهم مع الولايات المتحدة.
في هذا السياق، تبدو احتمالات التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم أكثر جدية من أي وقت مضى، لا سيما إذا نجحت المفاوضات الجارية في إسلام آباد وواشنطن في إنتاج تفاهمات تشمل ملفات النفوذ والأمن الإقليمي. وعندها سيكون لبنان أمام مرحلة جديدة عنوانها الأساسي الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة التسوية.
لكن الطريق إلى هذه التسوية لن يكون سهلاً. فملف سلاح حزب الله سيبقى في صلب النقاشات المقبلة، سواء عبر صيغة تقود إلى تسليم السلاح للجيش، أو عبر البحث عن ترتيبات أخرى تضمن معالجة هذا الملف ضمن إطار وطني وإقليمي متكامل. ويُتوقع أن يلعب رئيس مجلس النواب نبيه بري دوراً محورياً في هذا المسار، بوصفه المفاوض الأساسي عن الطرف الشيعي في أي حوار مع الأميركيين، بالتنسيق الكامل مع طهران. ومن هنا تبدو قنوات التواصل القائمة بينه وبين السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى مرشحة لمزيد من النشاط خلال المرحلة المقبلة، باعتبار أن المفاوضات الفعلية قد تبدأ فور تبلور معالم الاتفاقات الإقليمية الكبرى. وفي هذا الإطار، تبرز المقاربة السعودية بوصفها أحد العناصر المؤثرة في رسم المشهد المقبل، فالملف الأكثر حساسية بالنسبة إلى الرياض يبقى مسألة حصر السلاح بيد الدولة. وتشير المعطيات إلى أن المقاربة السعودية تقوم على الربط بين الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية وبين استكمال مسار نزع السلاح من كامل الأراضي اللبنانية.
غير أن ملف السلاح، على أهميته، ليس سوى واحد من الأسئلة الثقيلة التي تطرحها مرحلة ما بعد الحرب. فهناك أولاً قضية الاحتلال الإسرائيلي المستمر لأجزاء من جنوب لبنان. إذ إن بقاء القوات الإسرائيلية داخل بعض القرى الواقعة جنوب الليطاني لفترة قد تتجاوز الستين يوماً سيضع لبنان أمام تحديات أمنية وسياسية وإنسانية معقدة. علماً أن الساعات الماضية شهدت حديثاً عن طرح يقوم على انسحاب تدريجي يستند إلى قاعدة “خطوة مقابل خطوة”، بحيث يقترن الانسحاب الإسرائيلي بتقدم في ملف السلاح والترتيبات الأمنية المتصلة بانتشار الجيش في الجنوب.
ومن هنا يبرز ملف النازحين باعتباره أحد أكثر الملفات إلحاحاً. فعودة السكان إلى قراهم لا ترتبط فقط بوقف إطلاق النار، بل أيضاً بإنهاء الاحتلال وتأمين الضمانات الأمنية وإطلاق ورشة إعادة إعمار حقيقية تسمح بإعادة الحياة إلى المناطق المدمرة. وهذه المهمة تبدو أكثر تعقيداً مما كانت عليه بعد حرب تموز عام 2006، نظراً إلى الظروف الاقتصادية والمالية التي يعيشها لبنان اليوم. فإعادة الإعمار هذه المرة لن تُدار بالطريقة التي اعتُمدت قبل عشرين عاماً. وثمة اتجاه واضح لأن تكون الدولة والحكومة صاحبتي الدور المركزي في إدارة الملف، مع تمويل عربي ودولي وإشراف رسمي مباشر. وحتى في حال قررت إيران المساهمة في عملية إعادة الإعمار، فإن مشاركتها ستتم عبر مؤسسات الدولة والمجالس والصناديق المرتبطة بمجلس الوزراء، لا من خلال قنوات موازية كما كان يحصل في مراحل سابقة. وهذا التحول يعكس حجم التغيير الذي قد تشهده البيئة السياسية اللبنانية في مرحلة ما بعد الحرب.
إلى جانب إعادة الإعمار، يبرز التحدي الاقتصادي باعتباره الملف الأكثر إلحاحاً وخطورة. فلبنان الخارج من حرب جديدة ليس هو لبنان عام 2006. فالبلاد منهكة اقتصادياً منذ الانهيار الذي بدأ عام 2019، والقدرات المالية للدولة شبه معدومة، فيما تتطلب أي خطة نهوض الحصول على دعم واسع من المؤسسات الدولية، وفي مقدمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. إلا أن هذا الدعم يبقى مشروطاً بسلسلة طويلة من الإصلاحات المالية والإدارية والسياسية التي لم يتمكن لبنان حتى الآن من تنفيذها.
وفي موازاة الملفات الاقتصادية والأمنية، يبرز تحدٍّ سياسي لا يقل أهمية يتمثل في إعادة تنظيم العلاقة بين حزب الله ومؤسسات الدولة، وتحديداً مع رئاسة الجمهورية والحكومة. فقد شهدت المرحلة الماضية توترات غير مسبوقة بين الحزب من جهة، ورئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام من جهة أخرى، ووصلت العلاقة في بعض المحطات إلى مستويات عالية من التباعد السياسي. وتشير المعلومات إلى أن أكثر من وسيط حاول إعادة فتح قنوات التواصل بين بعبدا والسراي والحزب، إلا أن هذه الجهود لم تحقق اختراقاً فعلياً حتى الآن. علماً أن رئيس الحكومة دعا، في الساعات الماضية، حزب الله إلى دعم المسار التفاوضي الذي تخوضه الدولة مع واشنطن، وأكد أن لبنان يتأثر مباشرة بما يجري في المنطقة، سواء بالحرب أو بالتهدئة، وأن أي تفاهمات إقليمية تنعكس حكماً على الواقع اللبناني.
وأمام كل ذلك، يبدو أن النقاش الحقيقي في المرحلة المقبلة قد يتمحور حول شكل التوازنات السياسية الجديدة التي ستنتجها مرحلة ما بعد الحرب، وكيفية إعادة تنظيم السلطة وآليات الحكم. فالمملكة تبدو متمسكة بتطبيق اتفاق الطائف كاملاً، وتعتبر أن إعادة إحياء روحية الاتفاق وآلياته الدستورية تشكل مدخلاً أساسياً للاستقرار اللبناني. كما أن بعض الأوساط السياسية تتحدث عن اهتمام سعودي بإعادة الاعتبار إلى صيغة التعاون بين الرئاسات الثلاث، باعتبارها إحدى أدوات الحفاظ على التوازن الداخلي. وتراقب المملكة أيضاً، بحسب مصادر سياسية، بقلق بعض الطروحات التي بدأت تظهر داخل الساحة اللبنانية، ولا سيما الدعوات التي يطلقها بعض مسؤولي حزب “القوات اللبنانية”حول التقسيم أو الفصل بين المناطق. وتعتبر بعض الأوساط أن استمرار هذه الطروحات واتساعها قد يضع العلاقة بين الرياض ومعراب أمام اختبارات سياسية جدية، نظراً إلى تمسك السعودية بوحدة لبنان وباتفاق الطائف كإطار ناظم للحياة السياسية اللبنانية.
وفي المحصلة، تبدو نهاية الحرب، إن حصلت، مجرد بداية لمرحلة مليئة بالاستحقاقات الكبرى، لا سيما إعادة صياغة التوازنات الداخلية والإقليمية التي حكمت لبنان طوال العقود الماضية. لذلك قد يكون من المبكر البحث عن أجوبة نهائية. فالحرب نفسها تقترب من نهايتها، أما الأسئلة التي ستليها فستبقى مفتوحة لسنوات. ففي لبنان، غالباً ما تكون تحديات السلام أكثر تعقيداً من تحديات الحرب نفسها، لأن إنهاء المعارك لا يعني بالضرورة إنهاء الصراعات التي أنتجتها.

