نعيم الياس .
مع اقتراب موسم الصيف، يعيش لبنان أجواءً مختلفة تماماً عن التفاؤل الحذر الذي رافق صيف 2025. فقد شهد العام الماضي بداية تعافٍ اقتصادي هش، مدفوعاً أساساً بقطاع السياحة، وتحويلات المغتربين، وعودة تدريجية للإنفاق الاستهلاكي. حينها، استعادت الشواطئ والمطاعم والمهرجانات والفنادق والمرافق الترفيهية جزءاً من حيويتها، ما منح الاقتصاد اللبناني لحظة ارتياح نادرة بعد سنوات من الانهيار المالي والشلل السياسي.
اليوم، يدخل لبنان صيف 2026 تحت ظل حرب متجددة، وضبابية اقتصادية عميقة، ومخاوف متزايدة من فقدان ما يُعتبر آخر محركات التعافي الاقتصادي المتبقية.
بحسب أحدث تقارير البنك الدولي، نما الاقتصاد اللبناني بنسبة 3.5% في عام 2025 بعد سنوات من الانكماش، مدعوماً بشكل أساسي بالسياحة، وتحويلات المغتربين، وارتفاع محدود في الاستهلاك الخاص. وكانت التوقعات السابقة تشير إلى نمو أعلى يقترب من 4.7%، وقد اعتمد هذا التعافي الهش بشكل أساسي على عامل واحد حاسم، وهو الاستقرار الأمني النسبي. قبل أن تؤدي التوترات الإقليمية وتجدد النزاع إلى خفض هذه التقديرات،
ويتقاطع هذا التدهور مع تحذيرات معهد التمويل الدولي، الذي اعتبر أن الحرب تمثل صدمة سلبية كبيرة لاقتصاد يعاني أصلاً من سنوات من انكماش الإنتاج، والانهيار المالي، وتآكل المؤسسات منذ عام 2019. ويقدّر المعهد أن الناتج المحلي الإجمالي قد ينكمش بين 12% و16% في عام 2026 بحسب مدة استمرار النزاع، مع اعتبار انهيار السياحة المحرك الأساسي لهذا التراجع، وما يرافقه من تأثر مباشر لقطاعات الضيافة والتجارة والنقل. كما يشير إلى أن الزراعة والصناعة تواجهان اضطرابات كبيرة نتيجة تضرر الأراضي الزراعية، وتراجع سلاسل الإمداد، وضعف حركة اليد العاملة، وتراجع البنية التحتية من طرقات ومرافق وخدمات اتصال، ما يفاقم تفتت النشاط الاقتصادي عبر القطاعات.
ويتجاوز التأثير قطاع السياحة ليعكس انكماشاً أوسع في الإنتاج والطلب المحلي. شهد القطاع الزراعي تراجعاً ملحوظاً، في حين انكمش النشاط التجاري بوتيرة أكبر، وفقاً لتقديرات النقابات التجارية والصناعية. وقد اضطرت الشركات في مختلف القطاعات إلى تقليص العمالة، وخفض الأجور، أو تقليص عملياتها مع تراجع الإيرادات وارتفاع حالة عدم اليقين. ومع انخفاض الدخل وتراجع ثقة المستهلكين، يستمر تدهور القدرة الشرائية، ما يخلق صدمات إضافية على جانب الطلب تؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع الاستهلاك الخاص على مستوى البلاد.
كما تعرض قطاع السياحة لانهيار حاد، وهو من المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية، إلى مستويات متدنية تاريخياً، مع تسجيل إلغاءات واسعة في الفنادق والمطاعم والمرافق الترفيهية خلال موسم كان يُفترض أن يكون ذروة النشاط. كما تم إلغاء أو تأجيل مهرجانات الصيف الكبرى التي كانت تستقطب المغتربين والسياح الخليجيين، ما أدى إلى تعطيل ليس فقط النشاط الثقافي، بل أيضاً سلاسل اقتصادية كاملة مرتبطة بالضيافة والنقل والتجارة والعمل الموسمي. ويشكّل هذا تراجعاً حاداً مقارنة بصيف 2025، حين شهد لبنان أحد أفضل مواسمه السياحية منذ بداية الأزمة المالية في 2019.
بالنسبة إلى العديد من الأسر والمؤسسات، لا يُعد موسم الصيف مجرد فترة ترفيهية، بل هو موسم اقتصادي وجودي. إذ لطالما شكّلت عائدات السياحة الموسمية مصدر دخل أساسي لآلاف العاملين في قطاعات الضيافة والنقل والخدمات والتجارة، كما أن تدفق المغتربين كان يضخ عملة أجنبية حيوية عبر الإنفاق والتحويلات، ما يجعل الصيف فترة سيولة أساسية في اقتصاد يعاني من قيود حادة على النظام المالي الرسمي.
وفي هذا السياق، حذر رئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية محمد شقير في ندائه بتاريخ 20 أيار من أن خسارة موسم الصيف قد تدفع لبنان إلى انهيار أعمق حتى من أزمة 2019. وأشار إلى أن مؤشرات عيد الأضحى اظهرت تراجعاً واضحاً في قطاعات السياحة والتجارة والخدمات، مع انكماش يتراوح بين 15% و20% في عدة قطاعات، معتبراً أن حرب 2026 ألغت فعلياً آمال التعافي التي بدأت تتشكل خلال عام 2025
وفي موازاة ذلك، تكشف الأزمة عن ضعف بنيوي أعمق في الاقتصاد اللبناني، إذ يُظهر الانكماش الحاد في السياحة والخدمات مخاطر الاعتماد المفرط على قطاعات ريعية واستهلاكية شديدة الحساسية للصدمات السياسية والأمنية. ويؤكد ذلك الحاجة الملحة للانتقال نحو نموذج اقتصادي أكثر إنتاجية وتنويعاً، قائم على الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والصادرات ذات القيمة المضافة، بما يعزز القدرة على النمو المستدام ويزيد من المرونة في مواجهة الأزمات.
ومن جهة أخرى، تتزايد المخاوف بشأن الاحتياطيات الأجنبية والاستقرار النقدي. فالتراجع في عائدات السياحة ودخل المغتربين، إلى جانب ارتفاع كلفة الاستيراد نتيجة التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة، يتوقع أن يوسع عجز الحساب الجاري في عام 2026. ويضغط ذلك بشكل إضافي على احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، والتي تشكل ركيزة أساسية في الحفاظ على استقرار سعر الصرف. ورغم أن المصرف المركزي نجح منذ عام 2023 في الحفاظ على قدر من الاستقرار النسبي، فإن تباطؤ تدفق العملات الأجنبية يضعف هذه الهوامش ويزيد من هشاشة الوضع النقدي.
كما يُتوقع أن يؤدي التباطؤ الاقتصادي إلى تراجع إيرادات الدولة، خصوصاً من الضرائب والرسوم الجمركية والخدمات، في حين تتزايد الضغوط على الإنفاق العام نتيجة النزوح والاحتياجات الإنسانية وإعادة الإعمار، ما يهدد الفوائض الأولية التي تم تسجيلها في عامي 2024 و2025.
في المحصلة، لا تقتصر المخاطر على قطاع واحد، بل تمتد لتشمل مختلف مفاصل الاقتصاد اللبناني، مع تزامن الضغوط على الإنتاج والطلب والاستقرار النقدي والمالية العامة. وقد تحوّل ما كان يُفترض أن يكون موسم تعافٍ إلى موسم بقاء اقتصادي.
وفي النهاية، يشكّل هذا الموسم فرصة ضائعة جديدة تعمّق الأعباء الاقتصادية، وتزيد الضغط على الأسر والشركات اللبنانية، وتؤخر مسار التعافي أكثر فأكثر.

