عائشة الفضلي.
يواجه مشهد الفن التشكيلي المعاصر تحولاً جذرياً في آليات التلقي والانتشار، حيث لم يعد السؤال التقليدي عن قيمة العمل الفني يقتصر على أبعاده الفلسفية والبصرية، ليبرز تساؤل أكثر إلحاحاً: هل يستحق العمل الفني شهرته فعلًا؟ وهل تحوّلت الشهرة ذاتها إلى معيار يمنح الأعمال حضوراً يتجاوز قيمتها الإبداعية والحقيقية؟
تتشكل قيمة العمل الفني عبر الزمن من خلال التجربة، والابتكار، والنضج الأسلوبي، والقدرة على تقديم رؤية جديدة أو أثر بصري وفكري يضيف إلى المشهد الثقافي أبعاداً مختلفة. إلا أن التحولات الرقمية المتسارعة، و وجود منصات التواصل الاجتماعي، أعادت صياغة العلاقة بين الفنان والمتلقي، وبين القيمة والانتشار، لتسبق الشهرةُ الجودةَ في أحيان كثيرة.
النجاح الفني اليوم لا يرتهن بالتميز وحده، إذ أصبحت عناصر مثل الوجود الرقمي، والقدرة على إثارة الجدل، وصناعة الضجة، والتسويق الذكي، مؤثرة في تشكيل القيمة السوقية والرمزية للعمل. يظهر ذلك في منح المساحة الأكبر لـ«صورة الفنان» وحضوره الإعلامي، على حساب جودة المنتج الفني ذاته.
يكشف تأمل بعض الأعمال الفنية التي حققت صدى عالمياً واسعاً هذا التحول بوضوح. فعمل «الموزة» للفنان ماوريتسيو كاتيلان، والمتمثل في موزة مثبتة على الجدار بشريط لاصق، لا يستند في انتشاره إلى تعقيد بصري أو مهارة أدائية معقدة، وإنما يعتمد على المفهوم الصادم والضجة المصاحبة له، حتى أصبح مادة نقدية وإعلامية عالمية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل كانت القيمة في العمل نفسه، أم في قدرته على صناعة الحدث؟
الأمر ذاته يتضح في العمل الشهير «الفتاة مع البالون» للفنان بانكسي، عندما تمزقت اللوحة ذاتياً عقب بيعها في المزاد، لتتحول اللحظة إلى حدث عالمي رفع من حضور العمل وقيمته السوقية. لم تتغير اللوحة بصرياً، وإنما ارتفعت قيمة «القصة» المحيطة بها، وكأن السوق الفني المعاصر يشتري الأثر الإعلامي بقدر ما يقتني العمل الفني ذاته.
هذا التحليل لا يهدف إلى التقليل من قيم الفن المفاهيمي أو التجارب المعاصرة، لكنه يفتح باباً نقدياً للتساؤل: إلى أي مدى أصبحت الشهرة تصنع القيمة؟
وفي المقابل، يقف التاريخ الفني شاهداً على أعمال تجاوز أثرها أسماء صانعيها، ليكون العمل ذاته هو البطل الحقيقي. تمثال «نايك المجنح» القابع في متحف اللوفر، يظل أحد أبرز الأمثلة؛ عمل يفيض بالحركة والقوة التعبيرية، دون معرفة اسم نحاته على وجه الدقة. بقي الأثر، وغاب الاسم.
إن المعادلة الأكثر توازناً تكمن في أن تبقى الشهرة خادمةً للرسالة، لا أن تحل محلها، وأن يظل العمل الفني هو الأصل، وتأتي أدوات التسويق بوصفها امتداداً ذكياً له.
في النهاية، قد تمنح الشهرة العمل الفني أجنحة واسعة للانتشار، لكنها وحدها لا تضمن البقاء. الجودة، والأصالة، والقدرة على ترك أثر حقيقي، هي المكونات الكفيلة بجعل العمل قادراً على تجاوز الزمن،

