– دوليات

يبرز اسم علي موسى دقدوق، المعروف حركياً بـ”أبو حسين ساجد”، بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والغموض في تاريخ العمليات الخاصة لحزب الله اللبناني خلال العقدين الماضيين. ورغم غيابه المتكرر عن الواجهة الإعلامية، ظل دقدوق حاضراً في تقارير الاستخبارات، وبيانات الجيوش، وسرديات المواجهة بين والولايات المتحدة وإسرائيل.

في ظل التصعيد غير المسبوق بين وحزب الله، عاد اسم دقدوق إلى الواجهة مجدداً بعد تداول تقارير ومنصات إعلامية مقربة من الحزب أنباءً عن استشهاده أو وفاته متأثراً بإصابة تعرض لها إثر غارة إسرائيلية.

وحتى الآن، لم يصدر تأكيد رسمي من يحدد حقيقة ما جرى أو مصير الرجل الذي بقي لسنوات من أكثر كوادر الحزب غموضاً، إلا أن جهات وشخصيات حليفة أصدرت رسائل نعي تحدثت عنه بوصفه أحد الأسماء التي لعبت أدواراً مؤثرة في ملفات المقاومة والعمل العسكري.

وتمثل قصة دقدوق نموذجاً لشخصية أمنية تنقلت بين ساحات صراع متعددة، من إلى ، ومن إلى سوريا، وصولاً إلى الملفات الحدودية الحساسة في الجولان.

النشأة والتكوين العسكري
وُلد دقدوق عام 1969 في بلدة عيتا الشعب بجنوب ، وانضم إلى حزب الله منذ تأسيسه عام 1983. وبعد فترة وجيزة، عُيّن قائداً لوحدة العمليات الخاصة في الحزب، التي عُرفت لاحقاً بـ”الوحدة 2800″.
ويُعد دقدوق من الشخصيات التي حظيت باهتمام واسع من وإسرائيل على حد سواء، فقد تدرج في مواقع عسكرية وأمنية عدة قبل أن يُكلف بمهام خارج لبنان، ولا سيما في العراق خلال سنوات الوجود العسكري الأميركي.

سرعان ما ترقى دقدوق وتولى تنسيق العمليات في قطاعات كبيرة من لبنان، كما تشير تقارير إلى أنه كان مسؤولاً عن الأمن الشخصي للأمين العام السابق للحزب، السيد ، خلال حقبة التسعينيات.

الدور الإقليمي: من إيران إلى العراق
في عام 2005، وصل دقدوق إلى إيران لتدريب مقاتلين عراقيين إلى جانب “” التابع للحرس الثوري الإيراني، حيث سعى الفيلق حينها إلى تكرار نموذج القتال الخاص بحزب الله من خلال تدريب مجموعات صغيرة (تتراوح بين 20 إلى 60 فرداً) للعمل كوحدات أو “مجموعات خاصة”.

ويُزعم أيضاً أن دقدوق قدم المشورة لزعماء الحق، الشيخ قيس وليث الخزعلي وأعضاء آخرين في الحركة، عندما انتقل إلى العراق برفقة يوسف هاشم من حزب الله.

وبحسب حسابات تابعة لعصائب أهل الحق، أسس دقدوق ونظم ما يُسمى بـ”المجاميع” ضد القوات الأميركية في العراق، والتي نفذت عمليات عدة عام 2006 أثناء عدوان تموز الإسرائيلي تحت مسمى “عمليات نصرة الوعد “.

وتؤكد التقارير الإخبارية والمصادر العسكرية أن دقدوق لعب دوراً محورياً في نقل الخبرات التكتيكية وتنسيق الجهود مع فصائل المقاومة العراقية، وتحديداً حركة عصائب أهل الحق، حيث أسهم بحنكته العسكرية وشجاعته في تطوير قدرات المقاومة، وهو ما أشارت إليه بيانات النعي التي تحدثت عن بصمته الخالدة في أرض وإذاقته قوات الاحتلال مرارة الهزيمة.
هجوم عام 2007
اشتهر اسم دقدوق على نطاق واسع بعد اتهامه من قبل الولايات المتحدة بالضلوع في التخطيط لعملية كربلاء عام 2007، التي استهدفت مركز التنسيق المشترك الإقليمي وأسفرت عن مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

وتقول الرواية الأميركية إن مجموعة من المهاجمين تنكروا بزي عسكري أميركي واستخدموا مركبات وبطاقات هوية أميركية، مما مكنهم من اجتياز نقاط التفتيش الصارمة بكفاءة مذهلة، واقتحام النقطة التي كان يتواجد فيها نحو 20 جندياً أميركياً ومسؤولون عراقيون، حيث قُتل خمسة جنود وأُصيب ثلاثة آخرون في هجوم وُصف بالمخطط له جيداً.

الاعتقال والمحاكمة
بعد شهرين من هجوم كربلاء، وتحديداً في 20 آذار 2007، اعتقلت القوات الأميركية دقدوق في مدينة مع الشيخ قيس الخزعلي وشقيقه ليث الخزعلي. وزعمت السلطات الأميركية حينها أنها ضبطت بحوزته وثائق تفصيلية تناقش تكتيكات مهاجمة قوات التحالف.

اتُهم دقدوق بلعب دور أساسي في التنسيق بين حزب الله وفصائل عراقية، وبقي محتجزاً لسنوات قبل تسليمه للسلطات العراقية.

وفي 17 كانون الأول 2011، أعلن تسليم دقدوق لبغداد، واصفاً إياه بـ”آخر المعتقلين” لديها في العراق قبل الانسحاب الأميركي، مشيراً إلى أنه ناشط في حزب الله قدم للعراق لتدريب مسلحين بمساعدة فيلق .
ومع ذلك، في عام 2012، وُجهت إليه تهم من قبل مدعين عامين عسكريين في الولايات المتحدة بالقتل والإرهاب والغدر والتجسس، من بين جرائم حرب أخرى. وعلى وجه التحديد، قال نص الادعاء إن دقدوق كان قد وضع الخطط لهجوم كربلاء، وأنه قدم المشورة للمجموعة حول كيفية التسلل إلى المجمع باستخدام الزي الأميركي والعراقي وكتم أصوات المركبات المقتحمة.

وفيما لم تنجح المحاولات الأميركية لنقله إلى الولايات المتحدة ومحاكمته، قررت محكمة عراقية إطلاق سراحه في أيار 2012، ليخرج من الاعتقال في تشرين الثاني من العام نفسه. وفي 19 تشرين الثاني 2012، أعلنت الأميركية عن إدراجه على قائمة العقوبات، باعتباره مسؤولاً عن هجمات عام 2007.

مسؤولية “ملف الجولان”
انقطعت أخبار دقدوق لسنوات حتى عام 2018، حين أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي رسمياً عن دور جديد له كمسؤول عن “وحدة ملف الجولان” أو ما أسماه “شبكة إرهاب الجولان”. وخلال السنوات اللاحقة، ربطت تقارير إسرائيلية اسم دقدوق بنشاطات حزب الله في سوريا، زاعمةً أن السيد أرسله رسمياً عام 2019 لتأسيس شبكة سرية تعمل بعيداً عن مراقبة قوات نظام .

تركزت مهام هذه الوحدة على مراقبة تحركات جيش الاحتلال قرب الحدود ونقل المعلومات لحزب الله، وزعم الجيش الإسرائيلي أن هذه الوحدة كانت تابعة مباشرة لمكتب السيد نصر الله وتتمتع بمستوى عالٍ من التنظيم.

استهداف دمشق والمصير الغامض
في 10 تشرين الثاني 2024، نفذ الطيران الإسرائيلي غارة على منطقة السيدة زينب جنوب دمشق، وكشفت هيئة البث الإسرائيلية أن الغارة استهدفت شقة كان يتواجد فيها دقدوق، مرجحة مقتله.

إلا أن وكالة الصحافة الفرنسية نقلت عن مصادر أمنية والمرصد السوري لحقوق الإنسان أن دقدوق “أُصيب ولم يُقتل”، مشيرة إلى مقتل قيادي لبناني آخر مهم في الغارة ذاتها. وبالرغم من تضارب الأنباء، ترى أوساط استخباراتية إسرائيلية أن دقدوق كان هدفاً دائماً لخبرته العسكرية الواسعة في لبنان والعراق وسوريا.
الهوية المستعارة والحياة الشخصية
حمل دقدوق بسبب دوره السري أسماء مستعارة عديدة منها: “حميد محمد جبر اللامي”، “أبو حسين ساجد”، و”حميد ماجد عبد اليونس”.

وفي 8 كانون الأول 2023، نعى حزب الله رسمياً “حسن دقدوق”، وتبين أنه نجل القيادي علي دقدوق، والذي استشهد مع عنصرين آخرين أثناء محاولتهم تنفيذ عملية عسكرية، وهو ما تزامن مع إعلان إسرائيلي عن بدء “تصفية وحدة الجولان”.

وحتى الآن، يظل الغموض سيد الموقف حول مصيره النهائي في ظل استمرار التصعيد الإقليمي الراهن.

المصدر: جريدة النهار موقع “جنوبية” اللبناني + وكالات