رفض الناخبون السويسريون الأحد مبادرة وضع سقف لسكان البلاد عند عشرة ملايين نسمة بعدما أظهرت التقديرات الأولية حصول معسكر الرفض على نحو 55 في المئة من الأصوات، لتنتهي أكثر معارك الهجرة السويسرية حساسية من دون تفويض دستوري كان سيضع اتفاق حرية تنقل الأشخاص مع الاتحاد الأوروبي على مسار الإلغاء.
وفرضت المبادرة التي قدَّمها حزب الشعب السويسري اليميني على الحكومة التحرك بمجرد وصول عدد السكان إلى 9.5 مليون نسمة وتشديد إجراءات اللجوء ولمّ الشمل ومنح الإقامة، ثم التفاوض على تعديل الاتفاقات الدولية المرتبطة بالنمو السكاني قبل إلزامها بإنهاء اتفاق حرية التنقل إذا تجاوز السكان عشرة ملايين وبقي العدد فوق الحد عامين.
حزب داخل الحكومة يفتح جبهة مع أوروبا.
يقود مشروع المبادرة حزب الشعب السويسري، أكبر قوة في البرلمان وصاحب 62 مقعدًا في المجلس الوطني، وهو شريك في الحكومة الجماعية بمقعدين من أصل سبعة فيما يتولى أحد قيادييه، غي بارميلان، الرئاسة الدورية للبلاد هذا العام، لذلك كشف الاقتراع خلافًا داخل النظام التوافقي بعدما دفع الحزب بمبادرة عارضها المجلس الفيدرالي والبرلمان بسبب آثارها الاقتصادية وعلاقتها بحرية التنقل مع الاتحاد الأوروبي.
ويقول مصدر دبلوماسي أوروبي مطلع لـ”إرم نيوز” إن مؤسسات الاتحاد الأوروبي أعدت خلال الأسابيع الماضية تقييمًا أوليًّا للاتفاقات التي كانت ستتأثر مباشرة بفوز المبادرة وحدَّدت حرية التنقل واتفاقات شنغن ودبلن والاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية ضمن الملفات التي كانت ستدخل دائرة المراجعة السياسية والقانونية مع برن.
ويكشف المصدر، أن الاتصالات الأوروبية مع مسؤولين سويسريين لم تتناول تقديم تنازلات استباقية في ملف التنقل؛ لأن بروكسل اعتبرت السقف العددي غير قابل للمواءمة مع الاتفاق القائم.
فيما تركزت المناقشات على منع انتقال التوتر إلى الحزمة الجديدة من الاتفاقات الثنائية التي تسعى بيرن إلى تثبيت علاقتها المؤسسية من خلالها مع السوق الأوروبية. إذ تنظم الحزمة الثنائية وصول سويسرا إلى السوق الأوروبية وتعاونها في العمل والبحث العلمي.
وحوّل هذا الشرط التصويت من خلاف داخلي حول الازدحام والسكن إلى اقتراع يمس البنية الكاملة للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي؛ لأن حرية التنقل ترتبط بمنظومة اتفاقات تمنح الشركات السويسرية وصولًا واسعًا إلى السوق الأوروبية وتتيح للمستشفيات والجامعات والصناعات الدوائية استقدام العمالة التي تحتاج إليها.
الهجرة بين ضغط الخدمات وحاجة الاقتصاد.
وجاء الرفض بعدما حذَّرت دراسة نشرتها الحكومة في أيار الماضي من أن الحد السكاني سيخفف بعض الضغوط على السكن والبنية التحتية لكنه سيرتب كلفة أكبر على الاقتصاد والتأمينات الاجتماعية والرعاية الصحية، كما قدرت دوائر الأعمال أن تقليص العمالة الأجنبية سيصيب قطاعات تعاني أصلًا نقصًا في الكفاءات ويرفع كلفة الإنتاج والخدمات.
في حين يقول المصدر: إن الاتصالات التي جرت بين برن وبروكسل خلال الأيام السابقة للتصويت تركزت على مصير الحزمة الجديدة المنظمة للعلاقات الثنائية، بعدما حذَّر الجانب الأوروبي من أن البدء بإلغاء حرية التنقل كان سيؤدي إلى تجميد المسار السياسي لإقرار الاتفاقات وفتح مراجعة قانونية للترتيبات المرتبطة بالسوق والعمل والبحث العلمي.
ودفعت المخاوف الاقتصادية والاجتماعية جزءًا من الناخبين إلى رفض المبادرة بعدما حذَّرت الحكومة وقطاعات الأعمال من أن تقييد الهجرة سيقلص عدد العاملين المساهمين في تمويل نظام التقاعد ويزيد النقص المسجل في المستشفيات ودور الرعاية بحسب ما أفادت به صحيفة “سانت غالر تاغبلات” السويسرية، فيما أظهرت الحملة أن الدفاع عن سقف السكان لم ينجح في تجاوز القلق من تأثيره المباشر في سوق العمل والخدمات العامة.
وأعاد حزب الشعب السويسري تقديم ملف الهجرة تحت عنوان الاستدامة وحماية الطبيعة والبنية التحتية بعدما ربط ارتفاع السكان بنقص المساكن وارتفاع الإيجارات وازدحام القطارات والطرق، واستطاع بذلك نقل المبادرة خارج قاعدته التقليدية ودفعها إلى تعادل كامل مع معسكر الرفض في استطلاعات بداية شهر أيار.
بروكسل ترتاح واليمين يحتفظ بورقة الهجرة.
ويكشف المصدر الأوروبي أن بروكسل أبلغت برن بعد ظهور المؤشرات الأولى للنتيجة استعدادها لاستئناف الاتصالات السياسية المتعلقة بالحزمة الثنائية من النقطة التي توقفت عندها، بعدما أزال رفض المبادرة احتمال فتح نزاع جديد حول حرية التنقل.
هذا ولا يمثل سقوط المبادرة إغلاقًا لملف الهجرة بعدما منح نحو 45 في المئة من الناخبين أصواتهم لنص يضع رقمًا ثابتًا للسكان ويربط تجاوزه بإلغاء اتفاق دولي مركزي، وهي كتلة تمنح اليمين قاعدة واسعة لإبقاء ضغط الهجرة والسكن والخدمات في قلب الانتخابات والنقاشات المقبلة.
بينما يُبقي سقوط المبادرة الملفات التي غذّت صعودها مفتوحة، بعدما ربط رئيس حزب الشعب السويسري مارسيل ديتلينغ خلال الحملة بين النمو السكاني وارتفاع الإيجارات وازدحام الطرق والقطارات والضغط على المدارس والبنية التحتية، وهي مشكلات قالت “سويس إنفو” الأحد: إن الحزب وضعها في صلب حجته لتبرير فرض سقف على السكان.
ويقول المصدر، إن النتيجة منحت بروكسل ارتياحًا فوريًّا لأنها أزالت تهديدًا مباشرًا للعلاقة الثنائية. لكنها أظهرت في الوقت نفسه أن قبول الانفتاح الأوروبي داخل سويسرا أصبح مرتبطًا بقدرة الحكومة على حماية مستوى الأجور وتأمين السكن ومنع تراجع الخدمات العامة في المناطق الأسرع نموًّا.
في المحصلة، أنهى التصويت خطر فتح نزاع جديد مع الاتحاد الأوروبي حول حرية التنقل، لكنه منح حزب الشعب قاعدة واسعة لمواصلة حملته ضد الهجرة وربطها بأزمة السكن والضغط على المرافق العامة.

