جدول المحتوى

.

  1. سردية سياسية
  2. حقيقة سيادية

على وقع استمرار هزائمها الميدانية وعزلتها الدبلوماسية، وجهت جبهة البوليساريو الانفصالية رسالة إلى ليونور زالاباتا توريس، المندوبة الدائمة لكولومبيا لدى الأمم المتحدة الرئيسة الحالية لمجلس الأمن الدولي، نددت فيها بما وصفته بـ”استهداف القوات المغربية للمدنيين في المناطق العازلة في الصحراء”، مشيرة إلى “مقتل مدنيين صحراويين وآخرين من الجزائر وموريتانيا ودول أخرى بمسيرات مغربية في هذه المناطق”، وفق تعبيرها.

ويرى مهتمون أن محاولات الجبهة، التي تتخذ من تندوف مقرا لها، استدعاء مجلس الأمن للتنديد بسقوط ضحايا مدنيين في مناطق تؤكد هي نفسها في كل مرة أنها “مناطق حرب” وتروّج في خطابها الإعلامي لقصف وعمليات عسكرية فيها بشكل شبه يومي منذ تنصلها من وقف إطلاق النار، تكشف عن تناقض عميق في السلوك السياسي ومحاولة يائسة لتوظيف القانون الدولي وورقة الضحايا الأجانب لتوسيع دائرة النزاع، في وقت تصطدم في كل هذه المحاولات بواقع دولي ينتصر للمغرب ولحقوقه السيادية في تأمين حدوده.

سردية سياسية

قال هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، إن “الخطاب الصادر عن جبهة البوليساريو يعاني من إشكال بنيوي مزدوج: أولا، انفصال واضح بين الخطاب السياسي الموجَّه إلى المؤسسات الدولية، وبين السلوك الميداني الذي أعلن بنفسه منذ 2020 أنه عاد إلى منطق ‘الحرب المفتوحة’. وثانيا، توظيف انتقائي لمفاهيم القانون الدولي، يُستدعى فيها مجلس الأمن ليس كآلية قانونية محايدة، بل كمنصة لإعادة إنتاج سردية سياسية مضادة، غالبا ما تتجاهل السياق العملياتي الذي أنتج النزاع في الأساس”.

وشدد معتضد، في تصريح لهسبريس، على أن “العودة إلى مجلس الأمن للتنديد بـ’استهداف المدنيين’ بعد إعلان التحلل من وقف إطلاق النار، لا تعكس تناقضا شكليا فحسب، بل تكشف عن نمط أكثر عمقا في السلوك السياسي للجبهة: محاولة الفصل بين تبعات قرار التصعيد العسكري من جهة، وبين كلفة هذا التصعيد عندما تقع في المجال المدني من جهة أخرى. هذا الفصل لا يصمد أمام أي قراءة قانونية دقيقة؛ إذ إن قواعد القانون الدولي الإنساني لا تُطبَّق انتقائيا، ولا يمكن لطرف أعلن خروجه من ترتيبات وقف إطلاق النار أن يحتفظ في الوقت نفسه بكامل الامتيازات الخطابية التي يوفرها منطق ‘اللا عنف’ عندما يخدم مصالحه السياسية”.

وتابع بأن “إدراج إشارات إلى سقوط ضحايا من الجزائر وموريتانيا في الرسالة، يمكن قراءته، بمنظور استراتيجي بارد، كمحاولة لتوسيع نطاق تدويل النزاع عبر ‘إقحام غير مباشر’ لدول الجوار في سردية الصراع. غير أن هذا التوسع الخطابي يرتدّ في اتجاه معاكس سياسيا وقانونيا: فهو يطرح سؤالا غير مريح حول طبيعة الفضاءات التي تتحرك فيها هذه الحالات، وحول البنية الأمنية والإدارية في مناطق تُقدَّم في الوقت ذاته كـ’مناطق حرب’ و’فضاءات مدنية قابلة للحركة’. فوجود مدنيين في بيئة يُفترض أنها منطقة نزاع نشط لا يُشكّل في حد ذاته إدانة لأي طرف، لكنه يكشف عن درجة عالية من التداخل بين المدني والعسكري، وعن هشاشة السيطرة الميدانية، وهي مسؤولية لا يمكن تفكيكها خارج إطارها السياسي والتنظيمي”.

وذكر أن “محاولة تحويل وجود ضحايا من جنسيات مختلفة إلى دليل إدانة أحادي الاتجاه تعكس إشكالا في المنهج أكثر مما تعكس قوة في الحجة. فالقانون الدولي لا يقوم على تجميع روايات متفرقة، بل على إثباتات مستقلة تتعلق بالاستهداف، والتمييز، والتناسب، وسياق العمليات العسكرية. وفي غياب هذا الإطار الإثباتي المتماسك، تتحول الادعاءات إلى أدوات ضغط دبلوماسي أكثر منها توصيفات قانونية قابلة للاعتماد أمام آليات التحقيق الدولية”.

وخلص معتضد إلى أن “الإشكال ليس في ‘حادثة بعينها’، بل في بنية خطاب سياسي يحاول باستمرار إعادة تعريف المسؤولية خارج شروطها القانونية الصارمة، وفي الوقت نفسه استثمار هذه الإعادة لتعظيم المكاسب الدبلوماسية. وهي معادلة تصبح مع مرور الوقت أقل إقناعا في عيون الفاعلين الدوليين الأكثر ميلا للمعايير المؤسساتية الصلبة، وأقرب إلى إدارة صراع سردي طويل الأمد منه إلى بناء حجة قانونية قابلة للاستدامة”.

حقيقة سيادية

أوضح البراق شادي عبد السلام، خبير دولي في إدارة الأزمات وتحليل الصراع، أن “إقدام جبهة البوليساريو الإرهابية على توجيه رسائل إلى مجلس الأمن، في ظل إعلانها الصريح التحلل من التزامات وقف إطلاق النار لعام 1991، يمثل حالة من الانفصام السياسي والاستراتيجي؛ إذ تهدف هذه الخطوة إلى استعادة ‘زخم الدبلوماسية’ بعدما اصطدمت طموحاتها العسكرية بواقع ميداني تفرضه القوات المسلحة الملكية بقبضة من حديد، حيث تفرض المملكة سيادة كاملة وحظرا أمنيا دقيقا في المناطق العازلة، مما يحول ادعاءات ‘العمليات العسكرية’ إلى مجرد فقاعات إعلامية تفتقر لأي رصيد مادي”.

وأضاف البراق، في تصريح لهسبريس، أن “إقحام مواطنين من الجزائر وموريتانيا في سياق سياسي يهدف إلى تدويل النزاع وتوريط دول الجوار؛ إذ تحاول الجبهة، عبر توظيف ورقة الضحايا الأجانب، نقل عبء المسؤولية من خانة ‘التنظيم الانفصالي’ إلى خانة الأزمة الإقليمية”، مؤكدا أن “هذا السلوك يشي برغبة جامحة في استدراج أطراف إقليمية إلى قلب المواجهة، تطلعا لتحويل النزاع من ملف مغربي داخلي إلى قضية تمس أمن دول الجوار، مما يكشف عن استراتيجية يائسة للهروب من العزلة التي فرضتها النجاحات الدبلوماسية والميدانية للمغرب”.

وزاد أن “التأصيل القانوني لهذا الوضع يضع جبهة البوليساريو أمام مأزق مسؤولية جنائية دولية لا مفر منه، حيث إن وجود مدنيين في منطقة أعلنت الجبهة من طرف واحد تحولها إلى ميدان للعمليات العسكرية يمثل حجة دامغة تدينها بموجب القانون الدولي الإنساني. فسماح الجبهة بوجود مواطنين أجانب في بؤر توتر يمنع فيها أي نشاط مدني، يؤكد لجوءها إلى استغلال هؤلاء الأفراد واستخدامهم دروعا بشرية في مناورة سياسية مكشوفة تهدف إلى شرعنة وجود مريب”.

وبين الخبير ذاته أنه “بناء على المادة 58 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، فإن إدخال المدنيين أو السماح بتواجدهم في ‘منطقة عمليات عسكرية’ يعد خرقا صريحا لالتزامات تجنب تعريض السكان للمخاطر؛ إذ إن إقحام هؤلاء الأفراد في مناطق عسكرية محظورة يُكيّف قانونا كاستخدام خبيث للمدنيين لأغراض عسكرية وضغط سياسي، مما يعد انتهاكا جسيما لمبدأ الاحتياطات ضد آثار الهجمات. وحيث إن الجبهة تدرك تماما طبيعة المنطقة كبيئة قتالية، فإن سماحها بالتحرك فيها يمثل إهمالا جسيما يلقي عليها بتبعات قانونية كاملة، ويسقط عنها أي صفة أو مصداقية في الادعاء بالتباكي على سلامتهم”.

وشدد البراق على أن “التحركات المدنية في هذه المناطق لا تحظى بأي حماية دولية، خاصة وأن المغرب يمارس حقه السيادي في تأمين حدوده ومنع أي اختراقات عسكرية أو أمنية. لذا، فإن الرسائل الموجهة لمجلس الأمن تظل مناورة تفتقر للمصداقية، ولا تغير من الواقع القانوني شيئا؛ فالمملكة المغربية تضطلع بمسؤوليتها كاملة في حماية وحدتها الترابية، وكل اختراق لسيادة المملكة أو أمنها في تلك المناطق يظل تحت طائلة الردع العسكري المشروع، مما يجعل من محاولات الجبهة مجرد صرخات في فراغ لا تسمن ولا تغني من جوهر الحقيقة السيادية”، وفق تعبيره.