جدول المحتوى
.
في الوقت الذي تواصل فيه دولة الإمارات جهودها لمكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه المالية والفكرية، تتكشف بين الحين والآخر أساليب جديدة تلجأ إليها جماعة الإخوان لإعادة بناء شبكاتها خارج المنطقة، بعيدا عن الشعارات الأيديولوجية التقليدية التي ارتبطت بها لعقود.
فبعد سنوات من الملاحقات الأمنية والقضائية، لم تعد الجماعة تعتمد فقط على الخطاب السياسي أو الديني كأداة للحضور والتأثير، بل اتجهت إلى توظيف أدوات الاقتصاد والاستثمار والأعمال كوسائل أكثر قدرة على الحركة والاختراق واستقطاب الموارد المالية.وتبرز شركات عقارية واستثمارية أسستها شخصيات مرتبطة بالتنظيم في أوروبا باعتبارها نموذجا لهذا التحول، حيث تتحول بعض الكيانات التجارية إلى واجهات تمنح التنظيم مساحة للحركة تحت مظلة الأعمال والاستثمار، بعيدا عن الصورة التقليدية للتنظيمات المتطرفة.ومن بين أبرز النماذج التي أثارت الانتباه شركتا “ياس للاستثمار والعقار” و”نافل كابيتال” اللتان تتخذان من لندن مقرا لهما وتقدمان نفسهما كمحفظة استثمار عقاري، يديرهما عبد الرحمن الجابري الهارب إلى بريطانيا والمدرج ضمن قوائم الإرهاب المحلية في الإمارات، ونجل حسن منيف الجابري، المدان في قضية “التنظيم السري” الذي استهدف أمن الإمارات واستقرارها.
وفي الثامن من يناير/كانون الثاني 2025 أدرجت دولة الإمارات عبدالرحمن الجابري والشركتين على قائمة الإرهاب المحلية، في خطوة جاءت ضمن سياسة متكاملة تستهدف تعطيل الشبكات المرتبطة بتمويل الإرهاب وملاحقة أدواته المالية أينما وجدت، وإرهاب تنظيم الإخوان بشكل خاص.ولا تكمن أهمية هذه القضية في أسماء الأشخاص أو الشركات فحسب، بل في طبيعة النموذج الذي تعكسه. فالمتابع لمسار هذه الكيانات يلاحظ اعتمادها على آليات مدروسة تهدف إلى بناء الثقة واستقطاب المستثمرين عبر استخدام أسماء تحمل دلالات إماراتية، بما يمنحها قدرا من المصداقية “المزيفة” لدى المستثمرين العرب والخليجيين.ومن هنا تكمن أهمية إعادة تسليط الضوء على قوائم الإرهاب بين الفينة والأخرى، للتحذير من ألاعيب تلك الجماعات المتواصلة، وكشف مؤامراتهم المتواصلة لاستنزاف أموال خليجية وتحويلها إلى مشاريع تهدف إلى تفكيك استقرار الدول العربية من خلال دعم أجندات مشبوهة.
تفاصيل المؤامرة
ومن خلال تجربتي شركة “ياس للاستثمار والعقار”، وشركة “نافل كابيتال”، يمكن كشف محاور وتفاصيل المؤامرة الإخوانية حيث تلجأ عناصر تنظيم الإخوان الهاربة من بلدانها للخارج إلى تأسيس شركات عقارية ومالية لإخفاء أنشطتها والتخفي خلفها، ويتعمدون إلى اختيار أسماء ذات طابع إماراتي لإضفاء طابع من الثقة والمصداقية وعليها.ويبدو اختيار اسم “ياس” مثالا واضحا على هذه الاستراتيجية، إذ يرتبط الاسم في أذهان كثيرين بجزيرة ياس في أبوظبي، إحدى أبرز الوجهات الاقتصادية والسياحية والاستثمارية في المنطقة. ومن خلال هذا الارتباط الذهني تسعى تلك الكيانات إلى الاستفادة من السمعة الاقتصادية التي بنتها دولة الإمارات على مدار عقود، وتحويلها إلى أداة لاكتساب الثقة وجذب رؤوس الأموال، ما يعد خدعة كبرى تهدف إلى زرع الثقة في المستثمر الخليجي وخداعة ليشعر بأن هذه الشركات موثوقة ومقرّبة من بيئته.وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتحول الشركات الاستثمارية إلى بوابات لاستقطاب مستثمرين لاسيما خليجيين قد لا يمتلكون معرفة كافية بخلفيات الجهات التي يتعاملون معها، الأمر الذي قد يضع بعضهم، من دون قصد، في دائرة التعامل مع كيانات مرتبطة بشبكات تمويل مشبوهة أو أفراد مدرجين على قوائم الإرهاب، ما يعرضهم لاحقا للملاحقة ف قضايا تمويل الإرهاب أو دعم التنظيمات المتطرفة.ولا تعد شركة “ياس” وحدها، بل هي جزء من شبكة تتكون من 13 شركة ومؤسسة في أوروبا، تنشط تحت مظلة تنظيم الإخوان، ويُشرف على هذه الشبكة إبراهيم الزيات، المعروف بلقب “وزير مالية الإخوان في أوروبا”، وهو العقل المالي المدبّر وراء هذا الانتشار المؤسساتي.
مثلث الإرهاب
ولا تقف مخاطر تلك المؤامرة عند هذا الحد، بل تعد تلك الشركات، خطوة رئيسية على طريق إحياء إعادة إحياء تنظيم الإخوان في الخارج، بعد حظره محليا ونبذه شعبيا واعتقال ومحاكمة عناصرة بعد كشف مؤامراته الهادفة لزعزعة أمن واستقرار الدولة.وفي هذا السياق، يبرز ما يمكن وصفه بـ”مثلث إعادة إحياء التنظيم” في الخارج، ويعد عبد الرحمن الجابري أحد أضلاع هذا المثلث ويتحرك ضمن شبكة متشابكة من الشركات والعلاقات العائلية.أما الضلع الثاني فهو أحمد الشيبة، الهارب إلى بريطانيا، والذي تربطه علاقة مصاهرة بالجابري، في نمط متكرر بين قيادات الإخوان لضمان السرية والانغلاق التنظيمي.والضلع الثالث هو حمد محمد الشامسي، الذي شارك في اجتماعات سرية مع عناصر تنظيمية محكومة وهاربة من الإمارات، عُقدت في تركيا ودول أخرى.وأحمد الشيبه وحمد محمد الشامسي، هاربان بعد أن أدينا في قضية التنظيم السري لجماعة الإخوان الإرهابية، وأصدرت المحكمة الاتحادية العليا في دولة الإمارات حكما بسجن كل منهم مدة 15 سنة في 2 يوليو/ تموز 2013، وأدرجتهما الإمارات على قائمة الإرهاب المحلية في سبتمبر/ إيلول 2021.
الوجه الآخر
الوجه الآخر للمؤامرة، وفي موازاة النشاط الاقتصادي، تلجأ الجماعة إلى مسار آخر لا يقل أهمية، يتمثل في إعادة تسويق بعض عناصرها للرأي العام من خلال منصات التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية، عبر تقديمهم في صورة مفكرين أو خبراء أو أكاديميين مستقلين، بينما يحمل خطابهم رسائل سياسية وأيديولوجية تخدم أهداف التنظيم.وضح ذلك جليا في استغلال منصات التواصل الاجتماعي لتقديم أحمد الشيبة كـ ”مفكر تربوي”، بينما يمارس نشاطا ممنهجا لتحريض الرأي العام ضد الإمارات.وتستخلص هذه التجربة مجموعة من الدروس المهمة لمواجهة هذا النوع من الأنشطة، أبرزها أهمية إعادة تسليط الضوء بشكل دوري على قوائم الإرهاب المحلية وأبرز المدرجين فيها، وتعزيز التعاون بين الجهات الأمنية والمالية في دول الخليج وأوروبا لتبادل المعلومات حول هذه الشبكات وتتبعها قانونيا.إضافة إلى توسيع التعاون المحلي والدولي في مكافحة غسل الأموال لإحباط جهود الإخوان في توظيف الأموال لتمويل أنشطة تهدد الأمن الإقليمي والدولي. كما تبرز ضرورة التحقق من تاريخ أي شركة قبل الاستثمار فيها، حتى لا ينخدع المستثمرون بالأسماء اللافتة أو التصاميم الاحترافية التي تكون غالبًا مجرد واجهات لتضليلهم، مع تعزيز وعي الجمهور بأن التنظيمات المتطرفة لم تعد تقتصر على الخطاب الديني، بل توسعت إلى مجالات الأعمال والاستثمار كوسيلة للتمويه والتمويل.
جهود شاملة
وفي مواجهة هذه الأساليب، تواصل دولة الإمارات تطبيق استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب تقوم على عدة محاور متوازية تشمل الإجراءات الأمنية والتشريعية والمالية والفكرية، مع التركيز على تجفيف منابع التمويل وملاحقة الشبكات العابرة للحدود.حرب شاملة استهدفت محتلف التنظيمات الإرهابية من من مليشيات الحوثي إلى الإخوان، مرورًا بـ«القاعدة» و«داعش»، وصولا لحزب الله.وأحد أبرز محاور تلك الاستراتيجية الشاملة في الإمارات هي قوائم الإرهاب، التي تصدرها الإمارات تباعا.وكانت دولة الإمارات أصدرت قائمة محلية بالكيانات الإرهابية في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، تطبيقاً لأحكام القانون الاتحادي رقم (7) لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإرهابية، تقوم بتحديثها بحسب ما اقتضت الحاجة إلى قرارات من مجلس الوزراء.يأتي ذلك بحسب نص المادة 63 من القانون التي أكدت أنه يجوز لمجلس الوزراء “إصدار قرار يتضمن إنشاء قائمة أو قوائم تدرج فيها التنظيمات أو الأشخاص الإرهابية التي تشكل خطراً على الدولة أو التي تكون الدولة ملتزمة دولياً بإدراجهم فيها”. تعد الإمارات من أولى دول العالم التي صنفت الإخوان جماعة إرهابية منذ عام 2014، وحذرت من خطرها.وهذه الرؤية الإماراتية المبكرة، التي تزامنت مع جهود خارجية لكشف مخاطر الإخوان، أسهمت في توجيه الإدراك الغربي، ومهدت الطريق أمام قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا بتصنيف فروع الجماعة في كلٍّ من لبنان والأردن ومصر والسودان منظمات إرهابية.
ومنذ تصنيف الإخوان على قوائم الإرهاب، وجهت دولة الإمارات ضربات متلاحقة للتنظيم، أكدت من خلالها أنها تقف بالمرصاد لهذا التنظيم ومن يدعمه.وضمن أحدث مبادراتها لمكافحة التطرف والإرهاب على الصعيد العالمي، عين الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي، في يناير/كانون الثاني الماضي، مقصود كروز مبعوثاً لوزير الخارجية لمكافحة التطرف والإرهاب.خطوة جديدة ضمن جهود دولة الإمارات الشاملة لمحاربة الإرهاب بشكل عام، وإرهاب تنظيم الإخوان بشكل خاص، جنباً إلى جنب مع مبادراتها الرائدة لتعزيز التسامح، ومعالجة الأسباب الجذرية للتطرف والوسائل التي تقود إليه.وجاءت الخطوة بعد 6 أشهر من صدور حكم قضائي إماراتي جديد ضد عناصر من تنظيم “الإخوان” الإرهابي يوم 27 يونيو/حزيران الماضي، يتوج جهود الدولة المتواصلة لمحاربة التطرف.خطوة استبقتها الإمارات بإدراج 19 فرداً وكياناً مرتبطين بالإخوان المسلمين الإرهابي على قائمة الإرهاب المحلية في يناير/كانون الثاني 2025.والخطوة جاءت بعد عدة شهور من إصدار حكومة دولة الإمارات، في 11 أغسطس/آب 2024، مرسوماً بقانون اتحادي بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي بشأن مواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل التنظيمات غير المشروعة.ملاحقات أمنية، ومحاكمات قضائية، وقوائم إرهاب، وتعديلات تشريعية، وتعيين مبعوث لوزير الخارجية لمكافحة التطرف والإرهاب، خطوات تتوالى ضمن استراتيجية إماراتية شاملة لمكافحة الإرهاب والتطرف على مختلف الأصعدة.
مبادرات ملهمة
وضمن مبادراتها البارزة لمكافحة الإرهاب ونشر التسامح، أسست دولة الإمارات عام 2012 مركز “هداية” بالشراكة مع المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، وهو مركز دولي معني بالتدريب والحوار والأبحاث والتعاون في مجال مكافحة التطرف العنيف.أما في إطار جهودها المستمرة لمكافحة التطرف، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد عملت دولة الإمارات وأمريكا على تأسيس مركز “صواب” الذي انطلقت أعماله في مارس/آذار 2015.والمركز مبادرة تفاعلية للتراسل الإلكتروني تهدف إلى دعم جهود التحالف الدولي في حربه ضد التطرف والإرهاب.كما تقوم دولة الإمارات بجهود كثيرة لتعزيز التسامح لمعالجة الأسباب الجذرية للتطرف والرسائل التي تؤدي إليه، وأطلقت عدة مبادرات رائدة في هذا الصدد، منها وثيقة الأخوة الإنسانية، وتشييد “بيت العائلة الإبراهيمية”.وخلال فترة عضويتها في مجلس الأمن التي امتدت لعامي 2022 و2023، اضطلعت دولة الإمارات بدور بارز للتصدي لبعض التحديات الحاسمة، مثل مكافحة الإرهاب، والعمل على نشر التسامح.وتوجت تلك الجهود بالقرار التاريخي رقم 2686 بشأن التسامح والسلم والأمن الدوليين، الذي اشتركت في صياغته دولة الإمارات، خلال رئاستها الثانية للمجلس في يونيو/حزيران 2023، مع المملكة المتحدة، والذي يقر للمرة الأولى بأن خطاب الكراهية وأعمال التطرف يرتبطان بشكل مباشر بانتشار النزاعات وتفاقمها وتكرارها.

