جدول المحتوى

.

شهدت منطقة الشرق الأوسط تحولاً دراماتيكياً عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق ينهي العمليات العسكرية التي استمرت نحو أربعة أشهر، الأمر الذي دفع الأوساط السياسية الدولية إلى تقييم التداعيات الاستراتيجية والاقتصادية التي خلفتها هذه المواجهة العنيفة على الأطراف الرئيسية والوجوه الفاعلة في المشهد العالمي، حيث تبلورت ملامح خارطة جديدة للقوى ترسمها نتائج الصراع الميداني والسياسي في المنطقة وتحدد بدقة موازين الربح والخسارة لجميع القوى المتداخلة في الأزمة الصعبة.

وحسب تقرير لصحيفة ذا تليجراف البريطانية فإن اتفاق إنهاء الحرب الإيرانية لم يحقق حتى الآن الأهداف الرئيسية التي أعلنتها إدارة ترامب مسبقاً، في وقت لا يزال فيه النظام الحاكم في طهران يحتفظ بسيطرته الكاملة على الأوضاع الداخلية ومفاصل الدولة برغم الخسائر العسكرية والاقتصادية الفادحة التي تعرض لها طوال الأشهر الماضية، حيث واجهت البلاد ضربات جوية مكثفة من الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين تمتعتا بتفوق جوي واسع النطاق وغرق أسطولها البحري التقليدي بالكامل.

واقع الدولة الإيرانية ومستقبل الترسانة العسكرية

وبرغم مقتل عدد من كبار القادة العسكريين وتدهور المؤشرات الاقتصادية بشكل حاد فإن النظام الإيراني ما زال قائماً وثابتاً في مواقعه، بل يرى المحللون الاستراتيجيون أنه أصبح أكثر تشدداً وعدائية من السابق بفعل ظروف المواجهة الشاملة، كما تمتلك طهران حالياً مخزونات ضخمة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الانتحارية برغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بقطاعها الدفاعي وقواعدها العسكرية الموزعة في المحافظات المختلفة.

وتشير التقديرات الاستخباراتية والأمنية الموثوقة إلى أن جزءاً كبيراً من البنية التحتية الخاصة بتخصيب اليورانيوم تعرض للتدمير أو لأضرار بالغة للغاية، وذلك خلال الضربات الجوية المركزة التي نفذتها القوات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو من عام ألفين وخمسة وعشرين، ورغم تلك الضربات القاسية بقيت كميات هائلة من اليورانيوم عالي التخصيب بحوزة السلطات الإيرانية التي نجحت في حمايتها داخل منشآت حصينة تحت الأرض.

وأظهرت طهران قدرة ميدانية واضحة على فرض نفوذها العسكري والسياسي في مضيق هرمز الاستراتيجي وحركة الملاحة الدولية، إذ أُعيد فتح المضيق الحيوي عبر مسار المفاوضات الدبلوماسية وبموافقة إيرانية شريطة وقف التصعيد وليس نتيجة عمل عسكري أمريكي مباشر، في وقت لا يبدو فيه وجود أي بديل سياسي موثوق أو معارضة قوية قادرة على إسقاط النظام الإيراني الحالي أو استبداله.

وفي المقابل واجهت الولايات المتحدة الأمريكية تداعيات اقتصادية داخلية أقل وطأة مقارنة ببعض الدول الغربية الأخرى المعنية بالأزمة، لكنها لم تتجنب آثار الحرب الإيرانية بالكامل حيث ارتفعت أسعار الوقود في الأسواق المحلية بشكل كبير وملحوظ، واضطرت الأسر الأمريكية لارتفاع تكاليف المعيشة الإضافية المرتبطة بأسعار الطاقة وصعود التضخم جراء الحرب التي تسببت في اضطراب سلاسل التوريد العالمية.

وكشفت تفاصيل الحرب الإيرانية بوضوح عن حدود القوة الأمريكية العسكرية والسياسية في حسم النزاعات الإقليمية الكبرى والمعقدة، إذ لم تؤد الضربات الجوية والصاروخية المكثفة إلى إسقاط النظام الحاكم أو إضعاف قبضته الأمنية على المجتمع، خاصة وأن طهران استعدت لسنوات طويلة لمواجهة من هذا النوع عبر إخفاء الصواريخ والمواد النووية وتطوير الطائرات المسيرة الرخيصة والتكتيكات الدفاعية.

وألحقت طهران أضراراً مادية مباشرة بعشرين موقعاً عسكرياً أمريكياً منتشراً في دول المنطقة عبر هجماتها الصاروخية المتتالية، بينما تراجعت مستويات الثقة في السياسة الأمريكية لدى بعض الحلفاء الإقليميين والدوليين الذين اشتكوا علناً من إدارة الأزمة، واتهموا واشنطن بالتفرد بالقرار وإجراء المفاوضات دون مشاورات كافية معهم تنسق الخطوات الأمنية المشتركة وتضمن حماية مصالحهم الحيوية بالمنطقة.

الحسابات السياسية لترامب وتحديات الموقف الإسرائيلي

وعلى الصعيد السياسي الداخلي خاض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غمار حرب أصبحت سريعا أقل شعبية داخل أوساط قاعدته الانتخابية والسياسية، كما واجهت تشكيكاً متزايداً لدى قطاعات واسعة من المواطنين الأمريكيين الذين يرفضون الانخراط في صراعات مسلحة مكلفة، حيث أظهر استطلاع رأي أجرته قناة فوكس نيوز في أواخر مايو الماضي أن ستين بالمئة من الأمريكيين يعارضون هذه الحرب بشكل قاطع.

ولم تحقق اتفاقية إنهاء الحرب الإيرانية الأهداف الاستراتيجية الشاملة التي أعلنتها الإدارة الأمريكية بوضوح عند بداية العمليات العسكرية، إذ أعلن البيت الأبيض في أبريل الماضي أن أهدافه تتضمن القضاء التام على مخزونات الصواريخ الإيرانية ومنع إنتاجها، وتدمير الأسطول البحري لوقف دعم الجماعات المسلحة التابعة لطهران، وضمان عدم امتلاكها السلاح النووي وهو ما لم ينجز كلياً.

وبدأت إسرائيل العمليات العسكرية بصفة شريك أساسي إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية لخوض هذه المواجهة المسلحة الواسعة، إلا أن إنهاء الحرب يتم حالياً عبر إدارة ترامب وبشروطه الخاصة بعدما تراجعت مشاركة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مسار المفاوضات النهائية، وكان نتنياهو قد أعلن في بداية العمليات أن الحملة تمثل فرصة تاريخية لإنهاء التهديد الذي يشكله النظام الإيراني.

وتزايدت المخاوف الأمنية الإسرائيلية لاحقاً بشأن قدرة الاتفاق الحالي على معالجة القضايا الأمنية الأساسية التي تهدد عمقها الداخلي، وأشارت صحيفة تايمز أوف إسرائيل إلى أن النظام الإيراني ما زال قائماً في السلطة ويمتلك زمام المبادرة، كما لا يزال يحتفظ بجزء كبير من ترسانته الصاروخية الضخمة ومخزونه من اليورانيوم المخصب، إضافة إلى استمراره في السيطرة الميدانية.

صدمة دول الخليج ومواقف القوى العظمى العالمية

ومثّل قرار الولايات المتحدة وإسرائيل بمهاجمة الأراضي الإيرانية خلافاً للنصائح والتحذيرات التي قدمتها بعض دول الخليج صدمة قوية داخل المنطقة، خصوصاً أن هذه الدول الخليجية تحملت الجزء الأكبر من تداعيات الرد العسكري الإيراني، وتعرضت دولة الإمارات العربية المتحدة لأكبر موجة من الطائرات المسيرة والصواريخ، إلا أن أنظمة الدفاع الجوي المتطورة لديها حالت دون وقوع خسائر بشرية.

وفي المقابل يتوقع الخبراء الاستراتيجيون أن تدفع الحرب الإيرانية دول الخليج العربي إلى تسريع الاستثمارات الضخمة في مسارات تصدير بديلة، وإنشاء خطوط أنابيب جديدة لنقل النفط والغاز لتقليل الاعتماد الكامل على مضيق هرمز في المستقبل، تلافياً لأي أزمات عسكرية قد تنشب مجدداً في هذا الممر المائي الحيوي الذي يتحكم في جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.

ورغم أن إيران تعد حليفاً استراتيجياً هاما لجمهورية الصين ومصدراً رئيسياً لتزويدها بالنفط الخام بأسعار تفضيلية، فإن بكين لم تلعب دوراً رئيسياً أو مباشراً في مجريات الحرب، وتمكنت بذكاء من تجاوز آثارها الاقتصادية قصيرة المدى بشكل أفضل من دول كثيرة أخرى، وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الصين خفضت مشترياتها النفطية الرسمية خلال فترة الأزمة الحالية.

وواصلت بكين الاستفادة القصوى من احتياطياتها الاستراتيجية الضخمة ودعم قطاع الطاقة المتجددة الصديق للبيئة، إلى جانب حصولها المستمر على النفط الإيراني عبر أسطول ناقلات غير رسمي يتحرك بعيداً عن الرقابة الدولية، أما روسيا فقد استفادت مؤقتاً من الارتفاع الجنوني لأسعار النفط في الأسواق العالمية، لكن المحللين يرون أن العائدات الإضافية لم تغير بصورة جوهرية أوضاع الاقتصاد الروسي.

وأظهرت تفاصيل الحرب الإيرانية بوضوح أن التحالف السياسي والعسكري مع موسكو لا يضمن بالضرورة تدخلاً روسياً واسع النطاق، أو توفير حماية عسكرية حاسمة ومباشرة عندما تتعرض الدول الحليفة لأزمات وجودية كبيرة، وفي ذات السياق ومع اندلاع الصراع العسكري سادت توقعات دولية بأن تتراجع أولوية القضية الأوكرانية لدى العواصم الغربية، وأن يؤدي ارتفاع أسعار النفط لتعزيز القدرات الروسية.

التحولات الأمنية لأوكرانيا والأزمة المعيشية في بريطانيا

لكن التطورات الميدانية المتلاحقة للحرب رفعت من القيمة الاستراتيجية للخبرة العسكرية الأوكرانية في مجال مواجهة واصطياد الطائرات المسيرة الإيرانية الصنع، ما أتاح للعاصمة كييف فرصاً جديدة وثمينة لبناء شراكات أمنية نوعية مع دول الخليج، وأعلنت أوكرانيا خلال شهر أبريل الماضي عن توقيع اتفاقيات أمنية جديدة مع عدة دول، ما وفر لها دعماً سياسياً وعسكرياً إضافياً في مواجهتها مع موسكو.

وبدأت التداعيات الاقتصادية القاسية للحرب تنعكس بشكل مباشر على المملكة المتحدة التي تواجه بالفعل أزمة غلاء معيشة خانقة، وسط توقعات بارتفاع فواتير الطاقة المنزلية بنحو مائتي جنيه إسترليني خلال شهر يوليو المقبل، كما يتوقع الخبراء الاقتصاديون أن يصل معدل التضخم السنوي لنحو أربعة بالمئة بنهاية العام الجاري، في وقت تشير فيه التقديرات لتأثير سلبي حاد على النمو الاقتصادي البريطاني.

وأدى رفض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تقديم دعم عسكري مباشر للرئيس ترامب في هذه العمليات إلى توتر واضح في العلاقات الدبلوماسية عبر المحيط الأطلسي، برغم الجهود الحثيثة المبذولة لاحقاً لاحتواء الخلافات السياسية الناشئة وسلطت الأزمة الضوء على محدودية القدرات العسكرية البريطانية، بعدما تعرضت قاعدة جوية تابعة لسلاح الجو الملكي في قبرص لهجوم بطائرة مسيرة.

وجاء هذا الهجوم المؤثر خلال الليلة الثانية من اندلاع العمليات العسكرية الشاملة في المنطقة، في وقت لم تكن فيه أي سفينة حربية رئيسية تابعة للبحرية الملكية البريطانية منتشرة أو متمركزة في مياه البحر الأبيض المتوسط لتقديم الدعم أو التصدي للتهديدات الجوية، الأمر الذي أثار موجة من الانتقادات الحادة داخل الأوساط السياسية والعسكرية البريطانية حول جاهزية القوات المسلحة.