في تطور سياسي بارز قد يخفف حدة التوتر في الشرق الأوسط، أُعلن عن التوصل إلى إطار اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية، يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية وبدء مرحلة تفاوضية تمتد 60 يوماً لمعالجة الملفات الأكثر تعقيداً بين الجانبين، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأمريكية. وبينما يترقب العالم التوقيع الرسمي على الاتفاق في سويسرا يوم 19 يونيو الجاري، لا تزال تحديات كبيرة تهدد فرص نجاحه واستمراره، خاصة في ظل استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية والخلافات العميقة بشأن القضايا النووية والأمنية.

وجاء الإعلان عن الاتفاق بعد أسابيع من المواجهة والتصعيد بين واشنطن وطهران، حيث وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التفاهم بأنه بداية لمرحلة جديدة من السلام والأمن في المنطقة، مؤكداً أن الاتفاق يفتح الباب أمام استعادة الاستقرار وخفض التوتر الذي انعكس بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية.
في المقابل، أكدت إيران توقيع مذكرة تفاهم تمهد لمسار تفاوضي جديد، مع تشديد مسؤوليها على أن تنفيذ الالتزامات المتبادلة سيكون العامل الحاسم في نجاح الاتفاق. وأشاد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي بما اعتبره إنجازاً حققته بلاده خلال المواجهة الأخيرة، مؤكداً في الوقت نفسه أن إيران ستبقى مستعدة لمواجهة أي تهديدات أو محاولات لإفشال الاتفاق.
ويتمحور الاتفاق في مرحلته الأولى حول إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، وهي خطوة تحمل أهمية استثنائية للأسواق العالمية نظراً لأن المضيق يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، حيث يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
ورغم أن الإعلان عن إعادة فتح المضيق قوبل بترحيب واسع، فإن خبراء الطاقة والملاحة البحرية يحذرون من أن عودة الحركة الطبيعية لن تتم بشكل فوري، إذ تتطلب إزالة آثار المواجهة العسكرية الأخيرة وضمان أمن الملاحة وإعادة تنظيم حركة السفن وناقلات النفط المتكدسة خلال فترة التوتر. وتشير تقديرات متخصصة إلى أن استعادة النشاط الكامل قد تستغرق عدة أسابيع وربما أكثر من شهر في بعض السيناريوهات.
وقد انعكس الإعلان سريعاً على الأسواق العالمية، حيث تراجعت أسعار النفط بشكل ملحوظ بعد الارتفاعات الكبيرة التي سجلتها خلال الحرب، كما حققت البورصات الآسيوية مكاسب قوية مدفوعة بتوقعات تحسن الاستقرار الإقليمي وضمان استمرار تدفق إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية.
إلا أن الاتفاق لا يزال في جوهره إطاراً عاماً للتهدئة أكثر من كونه تسوية نهائية للخلافات المزمنة بين الطرفين. فالقضايا الأساسية التي عطلت جهود الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تُحسم بعد، وإنما جرى تأجيلها إلى مفاوضات تمتد 60 يوماً، تشمل مستقبل البرنامج النووي الإيراني وآليات الرقابة الدولية ومستويات تخصيب اليورانيوم والعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
ومن وجهة النظر الأمريكية، يمثل منع إيران من امتلاك سلاح نووي الهدف الأساسي لأي اتفاق مستقبلي، فيما تؤكد واشنطن أن أي تفاهم نهائي يجب أن يتضمن آليات تحقق صارمة تضمن التزام إيران بتعهداتها. لكن تفاصيل هذه الآليات لم تُعلن حتى الآن، كما لم يُكشف عن مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب أو حدود الأنشطة النووية التي ستُسمح لطهران بمواصلتها.
في المقابل، ترى إيران أن أي نقاش نهائي بشأن الملف النووي يجب أن يكون مرتبطاً بتنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها أولاً، وخاصة ما يتعلق برفع الضغوط الاقتصادية وإزالة القيود المفروضة على حركة التجارة والنفط الإيراني.
ويضيف انعدام الثقة المتراكم بين الجانبين مزيداً من التعقيد إلى المشهد. فواشنطن لا تزال تشكك في نوايا طهران النووية، بينما تستحضر إيران انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي السابق وما تلاه من عقوبات وضغوط سياسية واقتصادية، الأمر الذي يجعل أي اتفاق جديد عرضة للاهتزاز عند أول أزمة.
كما يبرز عامل داخلي أمريكي مهم يتمثل في دور الكونجرس، إذ يرى عدد من المشرعين أن أي تخفيف واسع للعقوبات المفروضة على إيران يجب أن يحظى بموافقة تشريعية، ما قد يفرض عقبات إضافية أمام تنفيذ بعض بنود الاتفاق خلال المرحلة المقبلة.
وعلى المستوى الإقليمي، تبدو الساحة اللبنانية التحدي الأكبر أمام فرص نجاح التفاهم الأمريكي الإيراني. فالاتفاق يتحدث عن إنهاء العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، إلا أن التطورات الميدانية لا تزال تثير القلق، خاصة مع استمرار المواجهة بين إسرائيل وحزب الله.
وقد رحب مسؤولون لبنانيون بالتفاهم الجديد باعتباره فرصة لوقف التصعيد وحماية الاستقرار، إلا أن المؤشرات القادمة من إسرائيل لا تعكس حتى الآن استعداداً واضحاً للالتزام بوقف كامل للعمليات العسكرية. وتزايدت المخاوف بعد الضربات التي شهدتها الضاحية الجنوبية لبيروت خلال الأيام الماضية، والتي كادت أن تؤثر على مسار المفاوضات الجارية.
ويُنظر إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باعتباره أحد أكثر العوامل تأثيراً في مستقبل الاتفاق. فقد أبدى مراراً شكوكه بشأن إمكانية التوصل إلى تفاهم يحقق المطالب الأمنية الإسرائيلية، فيما أظهرت تصريحات الرئيس الأمريكي وجود تباين واضح في المواقف بين واشنطن وتل أبيب بشأن كيفية إدارة المرحلة المقبلة.
كما تؤكد تصريحات مسؤولين إسرائيليين استمرار التمسك باعتبارات أمنية تتجاوز حدود الملف الإيراني لتشمل لبنان وسوريا وغزة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى إمكانية تحقيق تهدئة شاملة في المنطقة خلال الفترة المقبلة.
وتبقى قضايا أخرى معلقة خارج إطار الاتفاق الحالي، من بينها برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وعلاقات طهران بالجماعات المسلحة في المنطقة، وهي ملفات يطالب متشددون في الولايات المتحدة وإسرائيل بإدراجها ضمن أي تسوية نهائية، في حين لا توجد مؤشرات واضحة حتى الآن على أن المفاوضات المقبلة ستتناولها بشكل مباشر.
أما بالنسبة لدول الخليج، فقد وفر الاتفاق قدراً من الارتياح نتيجة تراجع احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة وما رافقها من تهديدات استهدفت أمن المنطقة ومصالحها الاقتصادية. إلا أن هذا الارتياح يبقى مشروطاً بقدرة الأطراف على ترجمة التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية تضمن استقرار الملاحة والطاقة والأوضاع الأمنية.
وفي الداخل الأمريكي، يمنح الاتفاق إدارة ترامب فرصة لتقديم إنجاز سياسي واقتصادي في وقت تواجه فيه تحديات داخلية تتعلق بأسعار الطاقة والأوضاع الاقتصادية. غير أن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطاً بسرعة تنفيذ البنود الاقتصادية واستمرار الهدوء الإقليمي وعدم انهيار التفاهمات تحت ضغط الملفات المؤجلة.
وبينما ينظر مؤيدو الاتفاق إليه باعتباره خطوة أولى نحو تسوية أوسع قد تنهي سنوات من المواجهة بين واشنطن وطهران، يرى المتشككون أنه لا يتجاوز كونه هدنة مؤقتة جرى بناؤها حول ملف مضيق هرمز وتأجيل القضايا الأكثر صعوبة إلى مفاوضات لاحقة قد تكون أكثر تعقيداً من مرحلة التوصل إلى الاتفاق نفسه.
ومع اقتراب موعد التوقيع الرسمي، يبقى السؤال الأهم متعلقاً بقدرة الأطراف على تحويل هذا التفاهم الأولي إلى اتفاق مستدام يعالج جذور الأزمة، لا مجرد ترتيب مؤقت لتخفيف التوتر واحتواء تداعياته على المنطقة والعالم.

قد يهمك أيضـــــــا :
 
ترمب يشتبك مع مذيعة “فوكس نيوز” ويتجنب الإجابة عن أوضاع المدنيين الإيرانيين

ترامب يحرج مذيعة فوكس نيوز على الهواء بالحديث عن علاقتها الغرامية.