إن الهجرة النبوية بحرٌ واسعٌ ينهل بالمعاني العظيمة والمصطلحات الفضيلة التي تُطرِّز وتُشكِّل منظومةً قيميةً تصنع فردًا إسلاميًا عالي الهمم، مرفوع الأعناق، رفيع العزائم، قوي الإرادة في سبيل الحق، وفي سبيل السلامة ومقدساتها وأوطانها، يذود عنها بالغالي والنفيس ضمن خندق الوحدة والتعاضد والتكاتف والتلاحم.
إن عِظَم هذه الذكرى يكمن في أنها تشكل منطلق شعلة الإسلام البراقة التي خاضت غمار العقبات والتحديات في سبيل نشر الحق وإعلاء كلمة الله، فهي بداية التاريخ الإسلامي التي تحكي حكاية انطلاق الإسلام وإقامة الدولة النبوية ذات الدعائم المتينة والأركان الراسخة، تاريخًا إسلاميًا روته دماء أشرف الخلق، بما يحمله من وقائع في الحياة اليومية وغزوات ارتفع فيها صوت صهيل الخيل لتنفض الغبار عن معاني العزة، فلا عزة لنا بغير الإسلام.
غزوةٌ تتلوها غزوة، ومعاهداتٌ مع كل الأصناف والأطياف، كتبت لنا أروع السياسات وأعظم العادات الاجتماعية وأسمى المناهج في التعامل مع النفس ومع الغير. فالهجرة النبوية هي هجرة عن النقائص وصغائر الأمور إلى أكابرها، فهي التي تحمل معاني المؤاخاة ونبذ سبل الفرقة وألوانها وصنوفها.
واليوم، أمام تكالب المتنفذين الغاشمين والتحشيد على هذا الدين، نستذكر من هذه الذكرى غزوة الخندق، وكيف اتحد المشركون واليهود في حصار دولة الإسلام حتى أصابها الضعف، ولكن الله ينصر عباده ويثبتهم أمام كل الصعاب وفي أحلك الظروف والوقائع، وكانت نتيجتها أن هزم الله الأحزاب وفرقهم، وأيَّد الله بنصره أمة الإسلام بالثبات على الحق.
فذلك اليوم زادٌ لنا وعتادٌ للصبر على هذا التكالب، وللتمسك بهذا الدين والتعاضد والتلاحم في أوطاننا، محافظين على عقائدنا، نقف في صف واحد لنشكل جدارًا من النار يحفظ لنا الوقار ويحقق لنا العزة والانتصار الذي طال له الانتظار.

