عاد ملف جمعية مؤسسة القرض الحسن إلى الواجهة من جديد من بوابة إحالة وزير العدل اللبناني عادل نصّار الجمعية إلى النيابة العامة التمييزية، بالتزامن مع اجتماعات مجموعة العمل المالي (فاتف) التي كانت أدرجت لبنان في أكتوبر/تشرين الأول 2024 على القائمة الرمادية للدول الخاضعة لتدقيق خاص، وتشمل البلدان التي تعاني من قصور في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ويأتي تحرّك وزارة العدل في وقتٍ يشهد لبنان ضغطاً خارجياً، ولا سيما أميركياً من أجل تشديد الأجهزة الرسمية رقابتها على تدفق الأموال من الخارج، وملاحقة الشركات غير المرخصة وغير الشرعية وإقفالها، ومكافحة ما يُعرَف بالاقتصاد الكاش، الذي يُتَّهم حزب الله باستغلاله لتمويل أنشطته المالية.
وتشدّد الولايات المتحدة ضغوطها على الدولة اللبنانية من أجل إقفال مؤسسة القرض الحسن في إطار سعيها الحثيث لمواجهة أذرع حزب الله المالية بالتوازي مع تلك العسكرية وقطعها، في حين ركزّت إسرائيل ضرباتها في حربها على لبنان على غالبية فروع الجمعية تحقيقاً للهدف نفسه باستهداف “منشآت الحزب المالية”، علماً أن الجمعية استأنفت نشاطها، رغم الاضرار التي تعرّضت لها، قبل أن تعود لتُستهدَف في عدوان مارس/آذار 2026.
وفي منتصف يوليو/تموز 2025، أصدر مصرف لبنان تعميماً للمصارف والمؤسسات المالية ولسائر المؤسسات الخاضعة لرقابته ولشركات الوساطة المالية ولصناديق الاستثمار الجماعية يحظرهم التعامل مع جمعية القرض الحسن وعددٍ من المؤسسات المالية التابعة له.
وتزامن التعميم وقتها مع إعلان البنك المركزي إبرام اتفاقية تعاون مع شركة “كيه2 إنتغريتي” (K2 Integrity) الأميركية في مسعى للخروج من اللائحة الرمادية الصادرة عن مجموعة العمل المالي، وأيضاً مع المقترحات الأميركية للحلّ في لبنان، وتضمّنت إصلاحات اقتصادية، بينها مكافحة اقتصاد الكاش، والقرض الحسن والمؤسسات المالية التابعة لحزب الله، إلى جانب ملف احتكار الدولة للسلاح، وغيره من الملفات.
وتأسست القرض الحسن عام 1982، عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وهدفت إلى تقديم قروض حسنة من دون فوائد، مركزة على دعم الفئات الفقيرة والمحتاجة، لمساعداتهم في تأمين احتياجاتهم وتغطيتها، وهي حائزة على ترخيص علم وخبر من وزارة الداخلية عام 1987.
وتعرّف الجمعية على أنها “شخص معنوي لبناني مرخص منذ العام 1987 من وزارة الداخلية، تعمل وفق القوانين اللبنانية، وعملها ذو طابع خيري واجتماعي، وبالتالي هي ليست مصرفاً بل جمعية تستقطب المساهمات من أجل الخير وتعطيها على أنها قروض من دون فوائد لكل الناس المحتاجين لها ولآجال ميسرة”. وفي عام 2007، فرضت الخزانة الأميركية عقوبات على القرض الحسن، باعتبارها “غطاء لإدارة الأنشطة المالية لحزب الله وللوصول إلى النظام المالي الرسمي العالمي”.
تشدّد الولايات المتحدة ضغوطاتها على الدولة اللبنانية من أجل إقفال مؤسسة القرض الحسن في إطار سعيها الحثيث لمواجهة وقطع أذرع حزب الله المالية بالتوازي مع تلك العسكرية، في حين ركزّت إسرائيل ضرباتها في حربها على لبنان على غالبية فروع الجمعية تحقيقاً للهدف نفسه باستهداف “منشآت الحزب المالية”.
وهذه ليست الخطوة الأولى لوزارة العدل في مسار مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إذ سبق أن أصدر نصّار في أكتوبر 2025، تعميماً يطلب فيه من الكتّاب بالعدل، القيام ببعض المهام، أبرزها، عند تنظيم الوكالات والمعاملات، التحقق من أن كل أطراف الوكالة غير مدرجين على لوائح العقوبات الوطنية والدولية، والامتناع عن تنظيم المعاملات في حال حصول العكس، وإعلام وزارة العدل وهيئة التحقيق الخاصة بالأمر.
وجاء التعميم وقتها أيضاً، بينما كان لبنان يستعدّ لتقديم تقرير مفصّل إلى مجموعة العمل المالي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حول الإجراءات التي يتخذها من أجل رفع اسمه عن القائمة الرمادية، وتجنّب إدراجه على اللائحة السوداء.
في الإطار، يقول محمد فحيلي، الباحث في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت لـ”العربي الجديد”، إن “اجتماعات مجموعة العمل المالي السنوية في باريس انطلقت (15 يونيو لغاية 19 منه)، والمفترض خلالها أن يقدّم الفريق التقني اقتراحاته وتقييمه عن أوضاع الدول المدرجة على اللائحة الرمادية، ضمنها لبنان، وما يمكن إخراجه أو اضافته عليها، أو إدراجه على اللائحة السوداء”. وفي وقتٍ لا يريد فحيلي أن يخفّف من أهمية القرار الذي اتخذه وزير العدل، لكنه يعتبر أنه ليس الممرّ الإلزامي لإخراج لبنان من اللائحة الرمادية.
ويقول فحيلي “إذا عدنا إلى قرار مجموعة العمل المالي في أكتوبر 2024، الذي وضع لبنان على اللائحة الرمادية، نجد أن المجموعة أعطت خريطة طريق واضحة المعالم حول الخطوات المطلوبة للخروج من اللائحة، وكانت ممكنة التحقّق، علماً أنها لم تتوجه للمصارف بقدر ما توجّهت إلى مؤسسات كثيرة عاملة على الأراضي اللبنانية، مثل الكتاب العدل، كازينو لبنان، تجّار الذهب، وتجّار العقارات ومؤسسات أخرى تتعاطى بشكل كثيف بالأوراق النقدية”.
خبير: القرض الحسن مؤسسة غير حكومية موجودة بموجب علم وخبر صادر عن وزارة الداخلية، وتتعدى نشاطاتها حدود الترخيص، والسلطة بالتالي هي صاحبة الاختصاص، تحديداً وزارة الداخلية، لانتزاع الرخصة منها لتصبح مؤسسة غير قانونية أو تحويلها إلى القضاء المختص
وتبعاً لذلك، يرى فحيلي أن العبء الأكبر لإخراج لبنان عن اللائحة الرمادية هو في مكان آخر غير القطاع المصرفي أو جمعية القرض الحسن، فالجمعية لا تشكل العبء الأكبر في ما يخصّ تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب، عدا عن أن عناصر أو مقاتلي حزب الله باتوا يلجؤون إلى شركات تحويل الأموال للقبض من الحزب، بعدما باتت الطريق الأسهل لهم، وليس إلى القرض الحسن.
ويشير فحيلي إلى أن “جمعية القرض الحسن هي مؤسسة غير حكومية موجودة بموجب علم وخبر صادر عن وزارة الداخلية، وتتعدى نشاطاتها حدود الترخيص، والسلطة بالتالي هي صاحبة الاختصاص، تحديداً وزارة الداخلية، لانتزاع الرخصة منها لتصبح مؤسسة غير قانونية أو تحويلها إلى القضاء المختص”، لافتاً في المقابل إلى أن لا شأن لمصرف لبنان بهذه الجمعية، فهي ليست تحت رقابته، لكن لمصرف لبنان اتخاذ الإجراءات التهذيبية والتأديبية بحق المصارف والمؤسسات المالية التي لا تزال تتعامل مع الجمعية رغم العقوبات الأميركية الصادرة بحقها منذ عام 2007.
وفقاً لهذا كلّه، يرى فحيلي أن “اجتماع مجموعة العمل المالي يوجه رسالة واضحة إلى لبنان، العالم لا يراقب فقط التزامكم بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بل يراقب أيضاً قدرتكم على إعادة بناء نظام مالي قابل للحياة. فلا استقرار نقدياً دائماً من دون إصلاح مالي ولا قطاع مصرفياً قابلاً للاستمرار من دون معالجة عادلة وشفافة لقضية الودائع. ولا خروج من اقتصاد الظل من دون استعادة الثقة بالمؤسسات. ولا استعادة للثقة من دون مساءلة وحوكمة وسيادة قانون”.
كما أشار إلى أنه “بعد أكثر من ست سنوات على الانهيار، لم يعد السؤال لماذا وقعت الأزمة، بل ما إذا كانت الدولة اللبنانية لا تزال قادرة على منع تحوّلها إلى واقع دائم. فهذا، أكثر من أي شيء آخر، هو الامتحان الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم”.

