في أحد أحياء منطقة الكبارية بالعاصمة تونس، حيث أتت المخدرات على حياة عدد من الشبّان وحوّلت أحلامهم إلى كوابيس يومية، تبرز تجربة وليد في واحدة من قصص الأمل التي تثبت أنّ التخلّص من الإدمان ممكن عند توفّر دعم صادق وإرادة.
قبل أسابيع فقط، كان وليد، البالغ من العمر 41 عاماً، لا يزال يعيش تحت وطأة الإدمان الذي استنزفه صحياً وعلى مستوى علاقاته الاجتماعية؛ فقد وقع أسير جرعات السموم التي كان يبحث عنها يومياً وسيطرت على واقعه. ثمّ أتت نقطة التحوّل على يد صديقه منتصر، الذي لم يكن مجرّد ناصح أو مرافق؛ هو كان شخصاً خاض التجربة نفسها في وقت سابق، ونجح في التخلّص من الإدمان بعد سنوات من المعاناة.
يخبر منتصر “العربي الجديد” بأنّه التقى وليد في أحد مقاهي الحيّ، وكان في حالة سيّئة بسبب حقن “سوبيتاكس” التي كان يتعاطاها، مشيراً إلى أنّ أكثر ما دفعه إلى مساعدة وليد هو أنّه رأى فيه صورته القديمة. ويؤكد: “كنت أعرف تماماً ما يعيشه، وأعرف كذلك أنّ الخروج من الإدمان ممكن مهما بدا الأمر مستحيلاً”.
يضيف منتصر أنّ الأمر كان واضحاً أمام وليد؛ ثمّة خياران إمّا الالتحاق بمركز متخصّص في علاج الإدمان، وإمّا الخضوع لعلاج طوعي صارم في منزله بعيداً عن المؤثّرات التي قد تدفعه إلى الانتكاسة. وبعد نقاشات طويلة، اختار وليد خوض معركة العلاج بمساعدة أصدقائه وأبناء الحيّ.
وليد الذي تغلّب على المخدرات أخيراً، تونس، 15 يونيو 2026 (العربي الجديد).
ويحكي منتصر عن يوميات صديقه في “السجن الاختياري”، خلال المرحلة الأولى من العلاج، عندما كان يغلق باب منزل وليد يومياً ويمنعه من الخروج بمفرده في الفترات الحرجة، ولا سيّما عندما تراوده الرغبة في التعاطي. يتابع أنّه كان يرافقه صباحاً في جولات خارج الحيّ، ويشغله بأنشطة مختلفة تساعده على مقاومة الأفكار السلبية وتجاوز أعراض الانسحاب.
لا يخفي منتصر أنّ الأيام الأولى كانت الأصعب بالنسبة إلى صديقه، إذ راح وليد يعاني من اضطرابات وآلام جسدية مبرحة فيما تجتاحه رغبة ملحّة في العودة إلى المخدرات، غير أنّ إصراره على التعافي كان أقوى من كلّ الإغراءات، وفقاً لرواية منتصر.
ولم تقتصر مساندة وليد على ما قدّمه له صديقه منتصر فقط، فقصته تحوّلت إلى قضية ذات اهتمام جماعي، وقد تبنّاها أبناء الحيّ. وبادر عدد من الجيران والأصدقاء إلى إعادة تهيئة منزله وتنظيفه وصيانة أجزاء منه، وتوفير مستلزمات الحياة الأساسية له، في محاولة لخلق بيئة مختلفة تساعده على بدء صفحة جديدة.
ويلفت منتصر إلى أنّ الجميع أدرك أن نجاح وليد “لن يكون نجاحاً فردياً فحسب”، بل “رسالة أمل لعشرات الشبّان الذين يعيشون الظروف نفسها”. ويشدّد على أنّ “انتشار المخدرات في الأحياء الشعبية جعل من الضروري تقديم نماذج واقعية تثبت أنّ الخروج من دائرة الإدمان ليس أمراً مستحيلاً”.
ومن أجل تحفيز الشبّان على العلاج الطوعي للإقلاع عن المخدرات، يبيّن منتصر أنّه أنشأ صفحة خاصة على موقع فيسبوك، راح ينشر عليها يوميات مسار تعافي وليد الذي تغيّرت طريقة حياته وحتى شكله، مؤكداً أنّ آلاف المتابعين تفاعلوا مع قصته. يتابع منتصر أنّ ثمّة من عرض كذلك تقديم مساعدات من أجل تمكين وليد من فتح مشروع يمكّنه من الابتعاد عن شبح البطالة ومخاطر العودة إلى الإدمان.
بالنسبة إلى منتصر، فإنّ قصة وليد تحمل بعداً رمزياً مهمّاً، إذ تعكس قدرة المجتمع المحلي على أداء دور محوري في الوقاية من الإدمان ومرافقة المتعافين منه، خصوصاً في ظلّ الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع شبّاناً كثيرين إلى الانزلاق نحو عالم المخدرات.
في سياق متصل، يتحدّث الطبيب المتخصص في مكافحة الإدمان نبيل بن صالح لـ”العربي الجديد” عن بروتوكولات طبية للعلاج. ويبيّن أنّ التعافي عملية طويلة تتطلب مرافقة طبية ونفسية واجتماعية متواصلة، شارحاً أنّ المرحلة الأولى تتمثّل في التوقّف عن التعاطي والتخلّص من السموم تحت إشراف مختصّين، ولا سيّما بالنسبة إلى أنواع معيّنة من المخدرات تكون أعراض الانسحاب منها خطرة.
ويكمل الطبيب أنّ “العلاج لا يقتصر على الجانب الجسدي، بل يشمل المتابعة النفسية والسلوكية لمساعدة المريض على فهم أسباب الإدمان، وتطوير مهارات مقاومة الرغبة في العودة إلى التعاطي”، وذلك إلى جانب “إعادة دمجه اجتماعياً ومهنياً”. وشدّد بن صالح على أنّ “توفّر شبكة دعم من العائلة والأصدقاء من أبرز عوامل النجاح”، موضحاً أنّ “المتعافي يحتاج إلى الشعور بأنّه ليس وحيداً في مواجهة مرضه هذا”.

