خرجت جامعة القديس جاورجيوس في بيروت الدفعة الأولى من طلاب كلية الطب والدفعة الثالثة من كلية الآداب والعلوم، وخريجي الدراسات العليا للتعليم الطبي، في احتفال بباحة مدرسة البشارة الأرثوذكسية، برعاية رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ممثلا بوزير المهجرين وزير الدولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي كمال شحاده، وبدعوة من رئيس مجلس أمناء الجامعة متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده.
وقال رئيس الجامعة نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري: “نفرح معكم وبكم أيها الخريجون وأيتها الخريجات، والحزن والضيق يحيطان بنا من كل صوب، لما أصاب بلدنا من دمار وتهجير بفعل الحرب العدوانية وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، لاسيما المدنيين، وما أنزله بمواطنينا الخرق الفاضح لأبسط قواعد الحرب وما نص عليه القانون الدولي الإنساني. نفرح بكم ومعكم وعيننا على التضامن الوطني والأخوة الإنسانية اللذين يرتفعان بنا فوق عصبياتنا الضيقة وخصوماتنا السياسية مهما بلغت حدتها”.
وقال: “لا شك عندي أن الجميع يعي أن هذا التضامن الوطني والأخوة الإنسانية يرتبان علينا كلنا مسؤولية في تحقيق الوئام وتبديد المخاوف وتقديم العون المادي والمعنوي للنازحين والأكثر عوزا من اللبنانيين. فالأخوة الانسانية والحرص على الخير العام، يعطيان معنى يتعدى الظاهر، كما جاء في قول يوحنا الرسول: “أيها الحبيب، في كل شيء أروم أن تكون ناجحا وصحيحا، كما أن نفسك ناجحة لأني فرحت جدا إذ حضر إخوة وشهدوا بالحق الذي فيك”. لذلك، فرجاؤنا أن تكونوا شهودا للحق الذي فيكم حيثما حللتم وعاملين من أجل إحقاقه في وجه العنف والكراهية والخديعة. كما نرجو أيضا أن تبقوا أمناء للقيم المشتركة في حياتنا الجامعية”.
من جهته، قال عوده: “العلم، بعيدا عن الله، قد يتحول إلى أداة للكبرياء أو وسيلة للتدمير، أما العلم المقرون بالإيمان فيصبح خدمة للإنسان وتمجيدا للخالق. لذلك رأى الآباء القديسون أن المعرفة الحقيقية لا تقتصر على تكديس المعلومات، بل ترتبط بنقاوة القلب وحكمة العقل وفضيلة التمييز. يقول القديس باسيليوس الكبير إن العقل البشري وزنة أعطاها الله للإنسان لكي يستثمرها في الخير والحق. في عصرنا المليء بالتحديات والتغيرات السريعة، تتقدم العلوم والتكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، فيما الإنسان يواجه أزمات روحية وأخلاقية عميقة. لقد صار العالم غنيا بالمعلومات، لكنه يفتقر أحيانا إلى الحكمة، متقدما في الوسائل، لكنه متعثر في الغايات. صار الإنسان متصلا بالعالم عبر الفضاء السيبراني، لكنه يعاني من الوحدة والضياع. هنا تكمن مسؤولية خريجي اليوم: ألا يكونوا مجرد أصحاب شهادات، بل أن يظهروا في العالم شهودا للحق والرحمة والنزاهة والسلام في عالم يحتاج نور المسيح”.
وتابع: “إن التحدي الأكبر الذي يواجه كافة الإختصاصات اليوم هو أن يبقى الإنسان إنسانا. ففي زمن المادية والمصلحة والمنفعة السريعة، قد يختزل الإنسان إلى رقم أو مشروع أو أداة إنتاج. الكنيسة تذكرنا دائما بأن قيمة الإنسان لا تقاس بممتلكاته وإنجازاته، بل بكونه مخلوقا محبوبا من الله، يشهد له بأفعاله. يقول الرب يسوع: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟» (مر 8: 36). لذلك، رسالتكم الحقيقية هي أن تحملوا القيم الإنجيلية إلى ميادين العلم والعمل، وأن تكونوا خميرة صالحة في مجتمعكم، ومنارة مضيئة في ظلام عالمنا المعاصر. خريجو علوم الأحياء بينكم يدخلون إلى عالم دراسة الحياة بكل أسرارها وتعقيداتها”.
من جهته، قال شحادة: “الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد الطبيب في تشخيص المرض بدقة أكبر، وأن يحلل ملايين البيانات في ثوان، ولكن المسؤولية الأكبر هي على عاتقكم لأنكم تستطيعون أن تطمئنوا مريضا خائفا، أن تواسوا عائلة قلقة، وأن تتحملوا المسؤولية الأخلاقية لقرارات مصيرية. وهذه ستبقى مسؤولية الإنسان، فأنتم من تستطيعون توجيه استعمال التكنولوجيا وتطوير هذه التقنيات. ولهذا، فإن المستقبل لن يكون من نصيب من يمتلك التكنولوجيا فقط، بل من يعرف كيف يستخدمها بحكمة، وبمسؤولية، ولخير الإنسان”.
وقال: “من هنا تنطلق رؤية وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: بناء دولة تخدم المواطن والمجتمع، وتقدم خدمات عامة بفعالية أكثر، مع اقتصاد رقمي يخلق فرصا للابتكار للشباب، ويربط الجامعات بالقطاعين العام والخاص والباحثين، لأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالعقول التي تتخرج من جامعاتنا، ومن هنا أطلقت الوزارة أيضا برنامج “نمو” الذي يمكن الشباب اللبناني على استعمال أدوات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ليكون مساهما في هذه الثورة التكنولوجية، ونعمل على تحضير الأرضية الصلبة للذكاء الاصطناعي في لبنان من الناحية التشريعية والقانونية، وإطلاق شبكة المستثمرين الملائكيين اللبنانيين (LAIN) التي تستثمر في الشركات التكنولوجية الناشئة، لأن أبناءنا يستحقون بناء مستقبلهم في وطنهم، ولبنان يستحق فرصة الاستفادة من عقول أبنائه لا تصديرها إلى دول أخرى. الهم الأول والأساس هو بناء بيئة حاضنة تتيح للبنانيين فرصا أوسع للنمو والإبداع، وتعطيهم خيار بناء مستقبلهم في لبنان إذا أرادوا”.

