تشهد السياسة الخارجية والأمنية اليابانية تحولاً متسارعاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع انتقال طوكيو من دورها التقليدي كقوة اقتصادية تركز على التنمية والتعاون التجاري إلى شريك أمني أكثر فاعلية في جنوب شرق آسيا، في إطار استراتيجية تهدف إلى دعم مفهوم “المحيطين الهندي والهادئ الحر والمفتوح”.
وجاءت هذه التحولات بالتزامن مع إقرار البرلمان الياباني في 27 مايو 2026 تشريعاً لإنشاء مجلس استخبارات وطني ومكتب استخبارات وطني جديد، في خطوة تعد أكبر إعادة هيكلة للبنية الاستخباراتية اليابانية منذ خمسينيات القرن الماضي، وتعكس توجهاً متزايداً نحو تعزيز القدرات الأمنية والاستراتيجية للدولة، بحسب “يوراسيان تايمز”.
استراتيجية تاكايتشي.
برزت ملامح هذا التحول خلال الجولات الدبلوماسية الأخيرة لرئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، التي شملت أستراليا وفيتنام، إضافة إلى استقبال طوكيو للرئيس الفلبيني في مايو الماضي.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس انحراف اليابان عن نهج “مبدأ فوكودا” التاريخي، الذي ركز لعقود على التنمية الاقتصادية والعلاقات التجارية مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، نحو مقاربة تجمع بين التعاون الاقتصادي والشراكات الأمنية والدفاعية.
و”مبدأ فوكودا” هو عقيدة دبلوماسية أطلقها رئيس الوزراء الياباني الأسبق تاكيو فوكودا في الفلبين عام 1977، لتحديد مسار السياسة الخارجية لليابان تجاه دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وترتكز على 3 محاور رئيسية.
التعهد السلمي:
التزام اليابان بعدم التحول مجددًا إلى “قوة عسكرية”، والتركيز حصراً على المساهمة في السلام العالمي.
شراكة القلب للقلب:
تعزيز الروابط الدبلوماسية وبناء ثقة متبادلة وتفاهم على المستوى الشعبي والثقافي.
التعاون الاقتصادي:
دعم رابطة “آسيان” كمنظمة متضامنة، مع تقديم الدعم الاقتصادي والتنموي لتحقيق الازدهار المشترك دون التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للدول.
توسيع صادرات واتفاقيات متعددة.
وتسعى الحكومة اليابانية إلى تنفيذ استراتيجيتها الأمنية الجديدة عبر أدوات متعددة تشمل اتفاقيات المساعدة الأمنية الرسمية (OSA)، واتفاقيات الوصول المتبادل (RAA)، إلى جانب توسيع صادرات المعدات والتكنولوجيا الدفاعية إلى الدول الشريكة.
وتُعد الفلبين أبرز الشركاء الأمنيين لليابان داخل رابطة آسيان، حيث تطورت العلاقات الثنائية من التعاون الدبلوماسي التقليدي إلى شراكة دفاعية متقدمة.
وساهمت اتفاقية الوصول المتبادل بين البلدين في تسهيل التعاون العسكري والتدريبات المشتركة، بما في ذلك مناورات بحرية متقدمة واستخدام أنظمة صاروخية مضادة للسفن.
كما تستعد اليابان لتزويد مانيلا بمعدات دفاعية متطورة تشمل مدمرات من فئة “أبوكوما” وطائرات دورية بحرية، في خطوة تعكس تحولاً ملحوظاً في السياسة اليابانية التقليدية تجاه تصدير المعدات العسكرية.
ويرى محللون أن التعاون الياباني الفلبيني قد يتحول إلى نموذج مستقبلي للشراكات الدفاعية اليابانية في المنطقة، خاصة في مجالات الأمن البحري والمراقبة وحماية الممرات البحرية.
شراكة تكنولوجية وأمنية.
على عكس النموذج الفلبيني، تركز الشراكة بين اليابان وسنغافورة على الجوانب التقنية والتشغيلية أكثر من اعتمادها على صفقات التسليح.
ويشمل التعاون بين البلدين تدريبات مشتركة في مجالات إنقاذ الغواصات والأمن السيبراني والطب العسكري، إضافة إلى تطوير آليات التعامل مع التهديدات في “المناطق الرمادية” والاستجابة للكوارث وحماية البنية التحتية الرقمية.
ويستفيد الطرفان من خبراتهما التقنية المتقدمة لتعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة وتطوير قدرات الأمن البحري والرقمي.
كما تمثل إندونيسيا نموذجاً مختلفاً للتعاون، حيث تسعى اليابان إلى تطوير شراكة تقوم على نقل التكنولوجيا وتعزيز الصناعات الدفاعية المحلية.
وتتمحور المباحثات حول إمكانية تطوير أو بناء فرقاطات “موغامي” اليابانية داخل أحواض بناء السفن الإندونيسية، وهو ما من شأنه أن ينقل العلاقة من مجرد بيع المعدات العسكرية إلى التعاون في بناء قاعدة صناعية دفاعية مشتركة.
ويرى خبراء أن نجاح هذا المشروع سيمنح جاكرتا فرصة لتعزيز استقلالها الدفاعي وتطوير خبراتها في مجال الصناعات البحرية العسكرية، مع الاستفادة من التكنولوجيا اليابانية المتقدمة.
دعم حذر في مواجهة التحديات البحرية.
تحظى فيتنام بأهمية خاصة في الاستراتيجية اليابانية؛ بسبب موقعها الحيوي في بحر الصين الجنوبي ودورها في سلاسل الإمداد الإقليمية.
وتتبنى طوكيو نهجاً أكثر حذراً في تعاملها مع هانوي، حيث تركز على تعزيز الوعي بالمجال البحري وتقديم معدات غير فتاكة وتدريب لخفر السواحل الفيتنامي، بما يساعدها على حماية منطقتها الاقتصادية الخالصة.
ويهدف هذا النهج إلى دعم القدرات الدفاعية الفيتنامية دون الوصول إلى مستوى قد يثير ردود فعل صينية حادة، في ظل العلاقات الاقتصادية المهمة بين بكين وهانوي.
كما تبرز ماليزيا كشريك مهم في الرؤية اليابانية للأمن الإقليمي، خاصة فيما يتعلق بحماية مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي.
وتدور نقاشات حول إمكانية حصول كوالالمبور على أنظمة رادار ساحلية وطائرات دورية بحرية يابانية، بما يعزز قدراتها على مراقبة الممرات البحرية الحيوية.
وتكتسب هذه المنطقة أهمية خاصة بالنسبة لليابان؛ نظراً لمرور جزء كبير من وارداتها من الطاقة عبر هذه المسارات البحرية.
بناء شبكة أمنية إقليمية.
تسعى طوكيو من خلال برنامج المساعدة الأمنية الرسمية إلى بناء شبكة تعاون دفاعي تضم عدداً متزايداً من دول آسيان، مع التركيز على أنظمة المراقبة البحرية والرادارات الساحلية وتبادل المعلومات الأمنية.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه يهدف إلى تعزيز قدرة دول المنطقة على حماية مصالحها البحرية، مع دعم النظام الدولي القائم على القواعد الذي تدافع عنه اليابان.
وفي الوقت نفسه، تحاول طوكيو تجنب تصوير هذه الجهود باعتبارها تحالفاً موجهاً ضد الصين، من خلال توسيع التعاون مع دول مثل لاوس وكمبوديا في مجالات المساعدات الإنسانية والإغاثة من الكوارث، وإزالة الألغام، والتكيف مع تغير المناخ.
موازنة النفوذ في المحيطين الهندي والهادئ.
تعكس التحركات اليابانية المتسارعة إدراكاً متزايداً للتحولات الجيوسياسية في آسيا، حيث تسعى طوكيو إلى لعب دور أكبر في تشكيل الترتيبات الأمنية الإقليمية بالتنسيق مع شركائها، مع الحفاظ على مركزية رابطة آسيان في الهيكل الأمني للمنطقة.
وتؤكد الحكومة اليابانية أن هذه السياسة لا تمثل عودة إلى النزعة العسكرية، بل تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وتمكين دول جنوب شرق آسيا من الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي وسط التنافس المتزايد بين الولايات المتحدة والصين.
وفي هذا السياق، تبدو اليابان اليوم أكثر استعداداً من أي وقت مضى للانتقال من دور المراقب الاقتصادي إلى شريك أمني فاعل يسعى للمساهمة في رسم مستقبل التوازنات الاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

