مع التوسع السريع الذي يشهده قطاع التكنولوجيا المالية في الإمارات، برزت ظاهرة تستحق الدراسة تتمثل في تجاهل بعض المقترضين سداد التزاماتهم المالية أو اعتقادهم بأن احتمالات اتخاذ إجراءات قانونية ضدهم محدودة، وتأتي هذه الظاهرة في وقت تشهد سوق الإقراض الرقمي نمواً متسارعاً، إذ تشير تقديرات حديثة إلى أن حجم سوق الإقراض البديل في الإمارات وصل إلى نحو 362 مليون دولار خلال عام 2024، مع توقعات بارتفاعه إلى 745 مليون دولار بحلول عام 2028، بمعدل نمو سنوي يقارب 20%.
ويتداول هؤلاء المقترضون تجاربهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشجعين غيرهم على أخذ هذه التمويلات في حال الحاجة السريعة إلى «الكاش»، والاطمئنان إلى عدم وجود مساءلة قانونية عند التعثر أو عدم إرجاع المبالغ المستحقة في موعدها المحدد.
بدورهما، قالا مصرفي وقانوني إن أحد الأسباب الرئيسة وراء هذا السلوك يعود إلى طبيعة تجربة الاقتراض الرقمية نفسها، حيث تتم عملية الحصول على التمويل بالكامل عبر الهاتف الذكي خلال دقائق معدودة من دون زيارة فرع أو مقابلة موظف ائتمان كما هو الحال في البنوك التقليدية، مؤكدين لـ«الإمارات اليوم» أن هذه السهولة في الاقتراض أوجدت لدى بعض المتعاملين انطباعاً نفسياً خاطئاً بأن الالتزام المالي أقل جدية، أو أن الجهات الممولة تفتقر إلى الأدوات اللازمة للمتابعة والتحصيل.
القروض الرقمية.
وتفصيلاً، قال الخبير المصرفي، أمجد نصر: «هناك اعتقاد خاطئ لدى بعض العملاء الذين يعتقدون أن عدم السداد للقروض الرقمية لن يترتب عليه أثر كبير، مقارنة بعدم سداد قرض بنكي، بينما في الواقع فإن شركات التمويل المحدود في الإمارات أصبحت تخضع لتنظيمات ورقابة أكبر من قبل المصرف المركزي، ويمكن أن تتخذ إجراءات تحصيل أو تؤثر في إمكانية حصول العميل على تمويل مستقبلي لأنه يؤثر في رقم التقييم الائتماني الخاص به، وهذه الشركات أصبحت ملزمة بتقديم تقارير عن المتعثرين، وهذا سيظهر في تقرير شركة الاتحاد للمعلومات الائتمانية».
وأضاف نصر أن «معظم حالات التعثر تسود بين المتعاملين الجدد ذوي السجل الائتماني المحدود وأصحاب الدخل غير المستقر أو العملاء الذين لديهم التزامات متعددة مع أكثر من مزود للخدمة، والعملاء الذين يستخدمون الخدمة لشراء كماليات بدلاً من إدارة التدفقات النقدية قصيرة الأجل».
وأكد أن هذه الشركات تستطيع المتابعة القانونية للمتعامل المتوقف عن السداد، لأن المتعامل عندما يقوم بالتسجيل في هذه المنصات يقوم بتسجيل رقم بطاقة الائتمان أو بطاقة الخصم، وبالتالي إذا لم يتم الخصم من هذه البطاقات تستطيع هذه الشركات اللجوء إلى المسار القانوني.
إطار تنظيمي.
وبيّن أن «المصرف المركزي وضع، خلال العامين الماضيين، إطاراً تنظيمياً لشركات التمويل المحدود يتضمن متطلبات ترخيص وإدارة مخاطر وتقييم أفضل للمتعاملين، بهدف الحد من حالات التعثر والاقتراض المفرط، وهذا كإجراء وقائي لأن هذه الشركات بدأت الترخيص ثم لاحقاً تنبه المصرف المركزي إلى عملها وطلب منها بعض الشروط التنظيمية».
وتابع نصر: «توجد حالات تم فيها اللجوء إلى القضاء أو شركات التحصيل، لكن نادراً ما تنشر الشركات تفاصيل القضايا الفردية لأسباب تتعلق بالخصوصية والسمعة التجارية».
ولفت إلى أنه من الناحية الاقتصادية معظم هذه الشركات تفضل التسويات الودية وخطط إعادة الجدولة، ثم تلجأ بعد ذلك إلى شركات التحصيل الخارجية، وذلك لأن رفع دعوى قضائية على دين صغير بقيمة بضع مئات أو آلاف الدراهم قد يكلف الشركة أكثر من قيمة الدين نفسه.
وقال نصر: «تصبح الملاحقة القضائية أكثر احتمالاً إذا كان المبلغ مرتفعاً أو إذا تبين وجود احتيال أو تقديم معلومات مضللة، وإذا تجاهل العميل جميع محاولات التواصل لفترة طويلة، وإذا كان لدى العميل عدة ديون متعثرة مع الجهة نفسها».
وأضاف: «في الإمارات حالياً، وبعد تنظيم هذا القطاع من قبل المصرف المركزي، أصبحت شركات التمويل الرقمي أكثر قدرة على تطبيق إجراءات تحصيل منظمة مقارنة بما كان عليه الوضع في السنوات الأولى لانتشار هذه الخدمات، ومن منظور مصرفي فإن أكبر أداة ضغط لدى هذه الشركات ليست المحكمة، بل حرمان العميل من التمويل مستقبلاً، وإجراءات التحصيل النظامية، واحتمال تأثر سمعته الائتمانية إذا كانت البيانات تدخل ضمن منظومة التقارير الائتمانية المعتمدة».
وأشار إلى أن «البنوك في الإمارات بدأت تدريجياً تدمج بيانات خدمات (اشترِ الآن وادفع لاحقاً) ضمن تقييم الجدارة الائتمانية عبر أنظمة مثل شركة الاتحاد للمعلومات الائتمانية، وهذا يعني أن استخدام (BNPL) لم يعد منفصلاً تماماً عن التاريخ الائتماني للعميل، بل أصبح جزءاً من الصورة الشاملة للدخل والالتزامات، وبالتالي أي تعثر أو تراكم في هذه الالتزامات قد يؤثر في درجة الائتمان ويقلل فرص الحصول على قروض أو بطاقات ائتمانية في المستقبل، لأن البنوك تنظر الآن إلى إجمالي (الديون الصغيرة) كجزء من عبء الدين الكلي للعميل».
التمويلات الاستهلاكية.
بدوره، قال الخبير القانوني، عمر سعد، إن «صغر قيمة بعض القروض أو التمويلات الاستهلاكية يدفع بعض المقترضين إلى الاعتقاد بأن شركات التكنولوجيا المالية لن تلجأ إلى إجراءات قانونية مكلفة من أجل مبالغ محدودة نسبياً، خصوصاً عندما تكون هذه الشركات حديثة العهد مقارنة بالمؤسسات المصرفية الكبرى، ويعزز هذا الاعتقاد تداول قصص فردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن أشخاص تأخروا في السداد لفترات طويلة من دون مواجهة عواقب فورية، ما يُوجِد انطباعات مضللة لدى البعض حول حقيقة المخاطر القانونية والائتمانية».
وأضاف أن «هناك ضعفاً في الثقافة المالية لدى شريحة من المستخدمين الجدد للخدمات الرقمية، فبعض المقترضين يركزون على سهولة الحصول على التمويل وسرعة الموافقة، بينما لا يدركون بشكل كامل التأثيرات طويلة الأجل للتعثر في السداد على سجلهم الائتماني وفرصهم المستقبلية في الحصول على تمويل أو بطاقات ائتمان أو خدمات مصرفية أخرى، وفي بيئة مالية أصبحت تعتمد بشكل متزايد على البيانات والملفات الائتمانية، فإن أي تعثر قد يبقى مؤثراً لفترة طويلة».
وأكد سعد، أنه «لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي في هذه المسألة، إذ إن جزءاً من حالات التأخر في السداد لا يرتبط بالرغبة في التهرب من الالتزامات، بقدر ما يرتبط بتغير الظروف المالية للمقترضين، سواء بسبب فقدان الوظيفة أو انخفاض الدخل أو ارتفاع تكاليف المعيشة أو تراكم الالتزامات المالية الأخرى، وفي هذه الحالات قد يتحول التعثر المؤقت إلى حالة مزمنة إذا لم يبادر العميل إلى التواصل مع الجهة الممولة لإعادة جدولة التزاماته أو البحث عن حلول مناسبة».
وتابع: «الاعتقاد بأن شركات التكنولوجيا المالية عاجزة عن المتابعة أو التحصيل لا يتوافق مع واقع القطاع الذي أصبح أكثر نضجاً وتنظيماً، فالنمو الكبير في حجم السوق والاستثمارات والتشريعات الداعمة يعكس انتقال التمويل الرقمي من مرحلة التجربة إلى مرحلة المؤسسات المالية المتخصصة التي تعتمد على أدوات تقييم مخاطر متقدمة وآليات متابعة وتحصيل متطورة».
وبين أن «التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تحصيل الديون المتعثرة بل في تعزيز الثقافة المالية وتصحيح التصورات الخاطئة لدى بعض المقترضين، فسهولة الحصول على التمويل لا تعني أن الالتزام أقل أهمية، كما أن غياب الإجراءات الفورية لا يعني غياب التبعات القانونية أو الائتمانية مستقبلاً»، مؤكداً أنه يمكن للشركات أن تلجأ للدعاوى المدنية بعد استنفاد كل الطرق الودية وتحميل العميل المتعثر، بجانب أصل المبلغ، كل الرسوم والفوائد المتأخرة وكذلك الرسوم القضائية.
«المعلومات الائتمانية»: جميع الشركات المرخصة تزودنا ببيانات المقترضين
أفادت شركة الاتحاد للمعلومات الائتمانية بأن «جميع شركات الـ(فينتك) المرخصة من المصرف المركزي، تزودنا ببيانات المقترضين وتظهر في التقرير الائتماني، ومن ثم يمكن لبقية المزودين الاستعانة بها في أخذ قرارات رشيدة بالموافقة على التمويل أو رفضه»، موضحة لـ«الإمارات اليوم» أنه «سيجري أيضاً دراسة البيانات والمعلومات الائتمانية لمقترضي هذه الشركات بشكل تراكمي لمدة عام أو عامين للوقوف على مدى تأثير اقتراض هذه المبالغ الصغيرة، وتعددها، في الجدارة والملاءة الائتمانية للعملاء، ومن ثم يمكن اتخاذ قرارات بشأنها من قبل الجهات المختصة».
• سوق الإقراض البديل في الإمارات وصل إلى 362 مليون دولار، خلال 2024، مع توقعات بارتفاعه إلى 745 مليون دولار بحلول 2028 .

