هل من العدل ترك العمود، حيث توقف أمس، وهو حيف أو جور؟ ذلك نصف الواقع وشطر الحقيقة؟ كان المقترح أن تقسم «فيفا» شاشة العرض التلفزيوني العالمي، تبثّ في قسم مباريات كأس العالم، وفي الآخر أدعى مناظر البلد المتعثر في تنميته، إلى الرثاء، حتى تتنبّه الدولة المعنيّة إلى إخفاقاتها فتتداركها، وتكدح في سبيل انتشال شعبها، من مهاوي التخلف. المساعدة ضروريّة، فليس طبيعيّاً ولا قابلاً للهضم، أن تظل بلدان متعثرة أكثر من قرن، من دون أن تهبّ أو تدبّ فيها حركة وعي لها إرادة وطموح.
مرحى ومرحبا، ماذا عن الدول الاستعمارية التي لا تريد أن تغسل رؤيتها للإنسانية والعالم، من رجس الهيمنة والتسلط ونهب ثروات الشعوب. لكن على العقلاء ألاّ يفرطوا في أوهام أحلامهم، ففيضانات القدرة، وطوفانات القوّة، لا تبتلع الأرضُ سيولها بالآمال والأماني. من طرائف ذكريات الجغرافيا السياسية، ورواسب أطماعها، أن دولة أوروبية كانت الشمس لا تغرب عن مستعمراتها، لديها اليوم، حتى الساعة، وزارة لشؤون الشرق الأوسط. سيلان اللعاب الجيوستراتيجي لا يجفّ بسرعة. معذرةً، فالاستطراد من مثالب فن تحرير العمود. لكن، أيّ الأقلام يحترم الحدود، كأنما القلم دولة عربيدة لا تعترف بالحدود.
إزاء هذا الصنف من الدول المتمرّدة على الدارين، الدنيا والآخرة، ليس على الاتحاد الدولي لكرة القدم أن يكلّف نفسه ما لا طاقة لها به. أكثرية أجهزة التلفاز بنقرة ريموت، تنقسم شاشتها إلى شطرين. جانب يعرض المباريات التي ظلت المليارات الآدمية، ظامئةً إلى حميّا محيّاها، لتنتعش النوافيخ، وتنتفخ كالنفافيخ، والشطر الآخر يبث أروع مروّعات المشاهد، من أساليب تعامل تلك القوة مع البلدان التي يسمونها نكايةً وسخريةً، نامية.
لك أن تنتقي خير مثال، وهل تجد في أرشيف العالم قديماً وحديثاً، بدائع منقطعة النظير، كتلك التي سجلها التاريخ في فيتنام، يوغسلافيا، أفغانستان، العراق، سوريا؟ للأسف، التسعون دقيقةً في الشوطين، مع ملحقاتها، لا تكفي إلا للقطات كوشك اللمح بالبصر. على المخرج، أن ينتج شذرات خاطفةً تسدّ بها عيون المشاهدين رمقها. الغرب كله استعماري. في أوروبا، حتى هولندا وبلجيكا أبلتا كل البلاء في هذا المسار. أمّا أسماك القرش فحدث ولا هرج.
لزوم ما يلزم: النتيجة الأقيانوسية: لا يمكن تلخيص استعمار قروني في تسعين دقيقة. البحر لا يكال بكشتبان.

