في عالم السياسة لا تُقاس الانتصارات فقط بحجم القوة العسكرية، بل بقدرة الدول على الصمود وفرض الإرادة وتحويل الضغوط إلى مكاسب استراتيجية. ومن هذا المنطلق، تبدو إيران اليوم وكأنها خرجت من واحدة من أخطر المواجهات الإقليمية والدولية وهي أكثر قوة وثباتًا، بعدما تمكنت ـ وفق معطيات الاتفاق الأخير ـ من فرض شروطها على الولايات المتحدة وحلفائها، لتتحول لغة التهديد إلى طاولة تفاوض تعترف بالأمر الواقع الذي صنعته طهران خلال سنوات طويلة من الصبر والمواجهة.
فعلى مدار الأشهر الماضية، رفعت الإدارة الأمريكية سقف التصعيد السياسي والعسكري، وتحدثت عن إمكانية إسقاط النظام الإيراني، وتفكيك قدراته الصاروخية، وإنهاء نفوذ طهران الإقليمي، لكن المشهد انتهى بصورة مغايرة تمامًا لما كانت تروج له واشنطن. فبدلاً من فرض الاستسلام على إيران، وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة للقبول باتفاق شامل يوقف الحرب على جميع الجبهات، ويحمل في جوهره اعترافًا واضحًا بثقل إيران السياسي والعسكري في المنطقة.
اللافت في الاتفاق ليس فقط وقف العمليات العسكرية، بل طبيعة البنود التي جاءت لتعكس حجم المكاسب الإيرانية. إذ وافقت واشنطن على إنهاء الحصار البحري خلال فترة زمنية محددة، مع إعادة فتح مضيق هرمز وفق ترتيبات تضمن لإيران دورًا رئيسيًا في إدارة هذا الملف الحيوي، فضلًا عن الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، وبدء مسار لرفع العقوبات المتعلقة بالنفط والبتروكيماويات، وهي ملفات شكلت لسنوات طويلة أدوات الضغط الرئيسية ضد طهران.
أما المكسب الأهم بالنسبة لإيران، فهو نجاحها في تحييد ملفات كانت تمثل هدفًا مباشرًا للولايات المتحدة، وعلى رأسها برنامج الصواريخ الباليستية وشبكة تحالفاتها الإقليمية، بعدما تم استبعاد هذه الملفات من أي مفاوضات مستقبلية، وهو ما اعتبرته طهران انتصارًا سياديًا يحافظ على عناصر قوتها الاستراتيجية وقدرتها على الردع.
كما أن اعتماد الاتفاق بقرار من مجلس الأمن الدولي يمنح طهران غطاءً سياسيًا ودوليًا، ويعكس تحولًا في موازين القوى والتعامل مع إيران باعتبارها طرفًا لا يمكن تجاوزه أو فرض الإملاءات عليه بالقوة.
ورغم أن البعض قد يرى أن جميع الأطراف خرجت بخسائر نتيجة التوترات والحرب، فإن القراءة السياسية للمشهد تشير إلى أن إيران نجحت في تثبيت معادلة جديدة قائمة على أن الصمود وتراكم القوة يمكن أن يغيرا موازين التفاوض، وأن الضغوط القصوى لا تؤدي دائمًا إلى النتائج التي تخطط لها القوى الكبرى.
وفي النهاية، قد يختلف المحللون حول توصيف ما حدث، لكن المؤكد أن إيران استطاعت أن تنتقل من موقع الدفاع إلى موقع فرض الشروط، وأن تقدم نفسها داخليًا وخارجيًا باعتبارها دولة واجهت الضغوط والعقوبات والتهديدات العسكرية، ثم خرجت باتفاق يمنحها مكاسب سياسية واقتصادية واستراتيجية كبيرة، وهو ما تراه طهران اليوم انتصارًا تاريخيًا في صراع الإرادات.

