الصور: محمود بكار

في ملعب مدينة سياتل الأمريكية ظهرًا، دوى صوت هتافات التشجيع المصرية خلال المباراة الأولى لمصر في مونديال 2026 أمام بلجيكا. كان الصخب غير عادي وأعلى من المعتاد في هذا الملعب الذي دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية مرتين فقط “لأنه أعلى ملعب خارجي من حيث الضجيج”.

على بعد أكثر من 7 آلاف ميل، وبفارق 10 ساعات في التوقيت، كانت الهتافات والصخب نفسه يعلو في أنحاء كثيرة من مصر، وأكبرها في ساحة المشجعين (الفان زون) الجديدة بالعاصمة الإدارية، شرق القاهرة، التي تم تجهيزها قبل البطولة مباشرة، واجتمع بها اليوم ما يقرب من ألف شخص أمام شاشتها العملاقة.

تلك الهتافات هنا وهناك، ربما وجدت صداها على أرض الملعب، وعززت معنويات اللاعبين، فظهروا بأداء جيد ومفاجئ في إحدى أصعب مباريات المجموعة، والتي فرض سيطرته عليها، وانتهت بالتعادل 1-1.

نزل لاعبو المنتخب لأول مرة إلى أرض ملعب “لومن فيلد”، الملعب الذي افتتح عام 2002، ويشبه حذوة الحصان مع نهاية مفتوحة من جهة اليسار تطل على معالم المدينة، والمعروف بكونه معقلاً لأندية مثل سياتل ساوندرز في الدوري الأمريكي لكرة القدم، وسياتل سيهوكس في دوري كرة القدم الأمريكية. وبمجرد أن انطلقت المباراة، كان الجمهور في هذه الساحة يتابع بترقب ممزوج بين الأمل والتوتر والمزاح.

وقبل أيام، أطلقت شركة أورانج للاتصالات إعلانات فكاهية من بطولة نجوم المنتخب: أحمد فتوح، ورامي ربيعة، وحسام عبد المجيد، حيث شكك الناس في تفاؤلهم بشأن تجاوز مصر دور المجموعات. وكان ذلك هو نفس شعور محمد هشام (35 عامًا)، وهو يقطع طريقه بالمونوريل الجديد الذي تم تشغيله الفعلي للجمهور في مايو الماضي، من محطة “المستثمرين” وحتى العاصمة الإدارية.. فيقول ضاحكًا: “لن نتوقع ونتعشم هذه المرة، حتى لا يخيب أملنا”.

ولم يسبق لمصر أن فازت بمباراة في كأس العالم في النسخ الثلاث التي شاركت بها منذ عام 1934، إلا أن مدرب المنتخب، حسام حسن، الذي كان هدفه أحد أسباب تأهل مصر عام 1990، بدا هادئًا وواثقًا خلال ظهوره قبل المباراة، وقال: “هدف مصر هو تجاوز دور المجموعات في البطولة، أعتقد أن لدينا الآن جيلاً يستحق أن يكون هنا”.

وخطة “حسن” لم يغيرها كثيرًا، كما ذكر من قبل. وبالنسبة لياسين أحمد، الموظف بأحد البنوك والذي جاء لمشاهدة المباراة مع أسرته، “فجاءت تشكيلته متوقعة”: مصطفى شوبير في حراسة المرمى، دفاع يبدو متماسكًا بوجود محمد هاني، حمدي فتحي، ياسر إبراهيم، أحمد فتوح، وتولى كل من مروان عطية ومهند لاشين مهمة حماية خط الوسط، بينما سعى إمام عاشور لتمرير الكرة إلى ثلاثي الهجوم: مصطفى زيكو، محمد صلاح، عمر مرموش.

ورغم تأهل المنتخب للمونديال دون هزيمة بعد غيابه عن تصفيات قطر 2022، إلا أن “هشام” و”ياسين” وغيرهما من الكرويين الذين يشاهدون المباراة بتركيز حاد يتمنون أن يغير اللاعبون أداءهم: “الهجوم والسيطرة أكثر من الدفاع والصمود”، وهو النهج الذي ظهر بقوة في الخسارة أمام السنغال في نصف نهائي أمم إفريقيا.

وفي رأيهم، فالمباراة بين المنتخب المصنف 9 عالميًا (بلجيكا) والمنتخب المصنف 29 عالميًا (مصر) “ليست سهلة بأي حال”.

وإلى حد كبير، كان الشوط الأول ملبيًا لآمالهم، فشهد إحكام قبضة واضحة للمنتخب المصري وتمريرات حاسمة، انتهت إحداها بتسديدة قوية حققها اللاعب إمام عاشور في الدقيقة العشرين. كانت المشاهد التي أعقبت هدف “عاشور” المبكر مليئة بالفرح، و”ارتياح ممزوج بطمع لتحقيق هدف آخر”.

وفي أجواء حارة بمدينة سياتل تشبه القاهرة، لعب المنتخب المصري بفارق ساعات عن التوقيت المعتاد لهم، حيث كانت سلمى زين (39 سنة) تشاهد المباراة في مصر عند العاشرة مساءً، وتقول: “إنها المباراة الوحيدة لمصر التي ستتمكن من مشاهدتها في وقتها مباشرة، بسبب فرق التوقيت”، حيث إن مبارياتها المقبلة ستكون بين الرابعة والسادسة صباحًا بالتوقيت المحلي.

ورغم أن “سلمى” التي كانت ترتدي قبعة مرسوم عليها علم مصر، تعتبر نفسها “غير كروية”، إلا أن “مباريات المنتخب شيء آخر، ولابد من متابعتها، غير الأجواء التي شجعتها أن تأتي إلى هنا مع والدتها وشقيقها”، كما تقول.

ومع الأخذ في الاعتبار تحديات التكيف مع الوقت والطقس، إلا أن المنتخب المصري كان أفضل من غيره بين الفرق الـ48 المشاركة في البطولة هذه المرة، حيث قطع حوالي ساعة بين مقر إقامته وتدريبه في مدينة سبوكين (Spokane) بولاية واشنطن حتى “سياتل”، بينما يستغرق الأمر بالنسبة لفرق أخرى ساعات طويلة لقطع آلاف الكيلومترات مثل “البوسنة والهرسك، الجزائر، تونس، وجنوب إفريقيا”، حيث تقام النسخة الحالية بين ثلاث دول: أمريكا، كندا، المكسيك وعبر عشرات المدن.

بدأ الضغط يزداد مع الشوط الثاني، وعلت وتيرته بأداء اللاعب محمد هاني، ولمسات محمد صلاح، الذي يكمل اليوم الرابعة والثلاثين من عمره، وهو ما يجعله يبذل جهدًا مضاعفًا لتحقيق إنجاز مع المنتخب، ويدرك أن هذه قد تكون فرصته الأخيرة لفعل ذلك، ومن جانب الفريق البلجيكي أيضًا بلاعبيه المخضرمين مثل “دي بروين” والجناح جيريمي دوكو، وروميلو لوكاكو، الذي حقق هدف التعادل في الدقيقة السادسة والستين.

وهذه النسخة من كأس العالم شهدت انتقادات بأنها الأكثر إثارة للجدل، بداية من استراتيجية التسعير التي وصلت إلى حوالي 2735 دولارًا في الدور الأول، والنهائي ما بين 4185 و8680 دولارًا، مع استخدام “التسعير الديناميكي” لأول مرة في كأس العالم، فتختلف الرسوم حسب الطلب والتوقيت، ثم رفض تأشيرات دخول أعداد كبيرة من جماهير دول مختلفة ومسؤولين في اتحادات كرة، غير الإجراءات الأمنية التي اتبعتها السلطات بالولايات المتحدة، حيث ستُقام نحو 75% من المباريات، بجانب قضية الحكم الصومالي عمر عرتان، الذي أعيد إلى بلده بعد أن كان من المقرر أن يشارك في تحكيم مباريات البطولة، وبررت الولايات المتحدة ذلك بـ”مشكلات تتعلق بالتدقيق في خلفيته ووجود شبهات أمنية”.

وعندما أُطلقت صافرة نهاية مباراة مثيرة وقوية، ارتفعت الأصوات في أرجاء ملعب “سياتل” وفي ساحة المشجعين بالعاصمة الإدارية، وبينما يغادر الجمهور سعيدًا، قال محمد هشام وثلاثة آخرون من أصدقائه: “كنا نخشى مواجهة بلجيكا، لكن تفاجأنا بأداء المنتخب، وكنا أقرب إلى الفوز”. ووصف مايكل سيف (40 عامًا)، الذي كان أقاربه يشاهدون المباراة من ملعب سياتل، الأداء قائلًا: “إن أداء المنتخب كان جيدًا ومُرضيًا”، وجعله يتوقع الصعود للجولة التالية.

وبعد مباراة اعتبرها المدرب حسام حسن “مباراة افتتاحية صعبة للغاية”، تنتظر مصر الواقعة في المجموعة السابعة مباراتي إيران ونيوزيلندا، وهما الأسهل بالنسبة لها. ستعود إلى ملعب سياتل مرة أخرى. وقال “حسن” للصحفيين بعد المباراة: “إن مصر التي أدت بشكل أفضل، واثقة من بلوغ الأدوار الإقصائية لكأس العالم للمرة الأولى”.