كتب طوني عيسى في” الجمهورية”: المشهد اللبناني لا يعكس أبداً أجواء التفاؤل الإقليمي. وما تفعله إسرائيل وتعلنه صراحة يؤشر إلى أن «فك الارتباط» بين المسارين الإيراني واللبناني بات واقعاً، وأن التفاهمات الكبرى لن تبدّل شيئاً في الواقع العسكري جنوباً.
أولى مؤشرات الاستفراد تجلّت في الإرباك الذي ساد المقار الرسمية في بيروت طوال الليلة التي جرى فيها إعلان التفاهم. وتبيّن أن لبنان الرسمي لم يكن على علم بأي من تفاصيل الاتفاق الأميركي – الإيراني، وأن بيروت لم تتبلّغ أي شروط أو بنود واضحة سيتضمّنها بل إنها لم تعرف
شيئاً عن موعد ولادة التفاهم، وتلقّت عبر وسائل الإعلام خبر إعلان رئيس الوزراء الباكستاني عن بعض تلك البنود، مع تلميح إلى أن وقف النار يشمل لبنان. لكن كيف؟ وما الضامن؟ وبأي شروط وظروف ومرتكزات؟
هذا الغياب للتنسيق المسبق مع الدولة اللبنانية يثبت أن الحراك الدبلوماسي في واشنطن، وعلى رغم من الجهود التي يبذلها السفير الأميركي ميشال عيسى بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، لا يزال يتحرّك في كواليس إقليمية أوسع تتجاوز الإرادة اللبنانية، ما يترك بيروت أمام هواجس حقيقية حول طبيعة الترتيبات الأمنية المقرّرة، والتي ستُناقش في جولة المفاوضات في 22 من حزيران الجاري.
وبناءً على المعطيات المتصلبة، وفي ضوء استمرار العمليات، خصوصاً على محاور كفرتبنيت وتلة علي الطاهر ومحيط النبطية وصور، يتضح أن السيناريو الآتي على لبنان قد يكون الأشد قسوة. فبينما يسير الاتفاق الأميركي – الإيراني في مساراته الدبلوماسية الطويلة والممتدة عبر فترات اختبار الآليات (60 يوماً)، تستغل إسرائيل هذا الهامش الزمني لفرض واقع جيو-عسكري لا يمكن التراجع عنه.
وكتبت سابين عويس في”النهار”:يعيش لبنان مرحلة عصيبة على وقع استمرار المواجهات بين إسرائيل و”حزب الله” جنوباً، فيما جاءت الضربة الأخيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت لتهز الأخبار السارة الآتية من إسلام آباد.
جل ما تبلور في شكل عام عن بند لبنان في اتفاق إسلام آباد، يكمن في وقف النار، وليس هناك أي إشارة إلى الانسحاب الإسرائيلي،
السيناريو الذي تفرضه إسرائيل بقوة النار يتمثل في فرضيته الأسوأ بعدم الامتثال أو التزام أي بنود واعتبار تل أبيب نفسها في حل منه، بحيث تستمر في أعمالها العدائية، وهو ما سيهدد مفاوضات واشنطن. وهذا السيناريو سيشكل فرصة للحزب ومحوره للضغط على الدولة اللبنانية من أجل الانسحاب من المفاوضات ووقفها. أما السيناريو الآخر الذي لا يقل سوءاً فيكمن ربما في استغلال إسرائيل الوقت المتاح أمامها قبل يوم الجمعة، موعد احتفالية التوقيع النهائي، لإنجاز ما يمكن إنجازه عبر استكمال السيطرة على بعض المواقع الإستراتيجية بالنسبة إليها، والتي تتيح لها فرض شروطها في شكل أكبر.
في كلا الحالين، سيكون لبنان بجنوبه وضاحية عاصمته الجنوبية في الأيام القليلة المقبلة، مسرحاً ساخناً جداً لاختبار مدى جدية الاتفاق الإيراني – الأميركي وقدرته على الصمود في ظل الغموض المحيط ببنوده.
وكتب إسكندر خشاشو في” النهار”: عاد في الآونة الأخيرة الحديث عن “احتواء” سلاح “حزب الله”، وهو مصطلح يبدو أقل حدة من عبارة “نزع السلاح” أو “تسليمه”.
في المفهوم السياسي، لا يعني الاحتواء بالضرورة مصادرة السلاح أو تفكيك البنية العسكرية للحزب فوراً، بل إدخال هذا السلاح ضمن منظومة الدولة وقرارها. بمعنى آخر، يصبح السلاح موجوداً لكنه مجمّد الاستخدام وخاضعاً لسلطة الدولة، فيما تنتقل مهمة الدفاع والأمن تدريجياً إلى الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية.
هذه المقاربة ليست جديدة بالكامل. فخلال السنوات الماضية، طُرحت أكثر من فكرة عربية ودولية تقوم على الانتقال التدريجي من واقع السلاح الحالي إلى واقع تكون فيه الدولة المرجعية الوحيدة للقرار العسكري، من دون الذهاب إلى صدام داخلي أو فرض وقائع بالقوة.
السؤال الأهم: هل يناسب هذا الخيار “حزب الله”؟
من الصعب تصور قبول الحزب بتسليم كامل وفوري لسلاحه في الظروف الحالية، أما فكرة الاحتواء أو التجميد، فقد تبدو أقل حساسية إذا جاءت ضمن تسوية شاملة.
الواقع أن نجاح أي صيغة من هذا النوع يبقى مرتبطاً بعوامل عدة، أبرزها:
قدرة الجيش اللبناني على تولي كامل المسؤوليات الأمنية والدفاعية.
وجود توافق سياسي داخلي واسع. معالجة هواجس الحزب المتعلقة بالصراع مع إسرائيل ومستقبل التوازنات الإقليمية. والسؤال الذي سيحسم مصير هذه المقاربة ليس ما إذا كانت قابلة للتطبيق نظرياً، بل ما إذا كانت الظروف السياسية والإقليمية قد نضجت بما يكفي لتحويلها من فكرة متداولة في الكواليس إلى مسار عملي يبدأ تنفيذه على الأرض.

