في الحقيقة، ما دفعني لكتابة هذا المقال هو ذلك السؤال العميق الذي طرحه أحد الكتاب حين تساءل عن السبب الذي يجعل المعارضين السياسيين في كثير من دول العالم الثالث يلجأون إلى العيش خارج أوطانهم، ولا يصبرون على تحمل مشاق الطريق التي اختاروها؟ وعما إذا كان بإمكانهم، في الحالة هذه، أن يغيروا واقعا انفصلوا عنه، ونفروا منه؟ وحين تساءل أيضا عن ماهية السبب الذي يجعل الكثيرين منهم لا يعودون إلى أوطانهم، حتى وإن أُتيحت لهم الفرصة لذلك؟!

حين نفكر في الأمر، نجد أن للمعارضة في كثير من دول العالم الثالث الحقَّ في العيش خارج أوطانها بسبب ما تتعرض له من عسف وقهر وظلم، وهو أمر لن نقف عنده كثيرا؛ لأنه بادٍ للعيان، واضح في الأذهان، فالأنظمة الديكتاتورية لا تسمح لأحد بأن يعارضها، وهذا بالمناسبة لا ينسحب على الأنظمة الحاكمة جميعها؛ فهناك الكثير منها ممن يمنح هامشا لا بأس به للمعارضة كي تمارس دورها وحقها. كما أنه يجب أن نضع في أذهاننا أن بعض المعارضين قد يتجاوزون حدود المعارضة، ليدخلوا في نطاق المواجهة، وهنا يختلف الأمر، إذ يتحول المشهد من معارضة سياسية إلى مواجهة مسلحة، فيختفي منطق، ويظهر منطق آخر.

الصورة تتعقد ذهنيا أكثر عندما يصير بإمكان المعارضين العودة إلى أوطانهم، والإسهام في بنائها، ولكنهم لا يفعلون، فقد يتوافر لهم مناخ من الديمقراطية وحرية التعبير، وقد تتحرر أوطانهم من ذلك الحكم الذي كانوا يعارضونه، ولكنهم لا يعودون، وإن عادوا فلفترة قصيرة، يقضون فيها مآربهم، ثم يرجعون إلى البلدان التي كانوا يعيشون فيها، وينفرون من أوطانهم الحقيقة، وكأنهم يعلنون تخليهم، ضمنا، عن مشروع رفعوا من أجله الشعارات، ونصبوا في سبيله رايات ورايات.. فلماذا يحدث كل هذا يا ترى؟

ليس من السهل أن يجاب عن هذه السؤالات المشروعة، فذلك أمر يحتاج إلى مؤتمرات وندوات، وتضافرِ جهودٍ ذاتِ مشاربَ متنوعة، وقراءاتٍ في السيكولوجية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية لهذه المجتمعات. لكن في مقاربة عجلى محفوفة بمخاطر التفكير السريع، يمكن لنا أن نتلمس بعض الأسباب التي تدفع بهؤلاء إلى هذا النوع من السلوكيات، فجزء من هذه الأسباب خاص، وجزء آخر يتلبس الحالة السياسية والاجتماعية والبيئية والأمنية في مجملها.

بداية، لا بد أن نعلم أن المعارضة صارت مهنة لكثير من الناس، فمن خلالها يجدون أنفسهم، ويبنون لذواتهم مجدا، ولذلك يحرص هؤلاء على إطالة عمرها حتى تطول مدة استفادتهم منها، فهم يعارضون في العلن ويدعمون في الخفاء، كيف لا؟ وهم مستفيدون من هذا الوضع، والمستفيد من الباطل لا يروق له أن يصلحه أبدا، وهنا لا يصلح التعميم بطبيعة الحال.

كما أن بقاء الكثيرين في المشهد المعارض خارج البلد هو الهدف الذي يرنون إليه، والمقصد الذي يتنافسون عليه، فمن خلال ذلك ينالون الشهرة، ويتلقون الأموال، ويتنقلون بين الأمصار والبلدان، ويصير الواحد منهم رقما في المعادلة، وطرفا في المفاوضات جالسا على الطاولة، ولو أتيحت له الفرصة الصادقة للعودة للبلاد والإسهام في البناء والتشييد، أو أتيحت له حتى فرصة المعارضة من الداخل فسيرفض، إذ إنه سيفقد كل هذه المزايا، وسيجد نفسه بين الجموع داخل بلد لم يعد يرتضي لنفسه العيش فيه، وقد اعتاد على رغد العيش والنجومية خارجه. إنه يتخذ من هذه المعارضة وظيفة يقتات منها، وعصا يتكئ عليها، ولو أن الحاكم «الظالم» في نظره، قرر فجأة أن يصبح عادلا ديمقراطيا، لما أسعده ذلك، فهو مستفيد من هذا الباطل، والمستفيد من الباطل لا يسعى لتغييره أو تصحيحه كما قلنا.
ناهيك على أن الكثير من المعارضين لا يحملون مشروع وطن في جعبتهم، وإنما طموحا للوصول للسلطة فقط، فإذا ما وصلوا إليها مارسوا الديكتاتورية أكثر من أسلافهم، والأمثلة على ذلك كثيرة، وإذا بحثنا عن توصيف مختصر لهذا المشهد فلنا أن نقول: «العلة في ذلك كله تكمن في أن الأمر يتعلق بالمعارضة، ولا يتعلق بالنضال»، فالمعارضة تدفع صاحبها إلى التفكير في إزاحة الآخر بغية الاستفادة من المكان الذي يتبوأه هذا الآخر، وإن كان على صواب، والنضال يدفع صاحبه إلى التفكير في إصلاح الخطأ والوقوف مع الصواب، حتى وإن كان هذا الخطأ نابعا من الذات، والصواب حليفا للآخر، فالنضال يقدم حلا بديلا للفساد القائم، والمعارضة تقدم نفسها بديلا وحيدا للنظام القائم، والفرق بين الأمرين واضح وجلي.
أما إن حمل المعارضون مشروعا، وهذا قليل، فإن صرح هذا المشروع يتهاوى أمام أول اختبار حقيقي من شأنه أن يجعل الوطن في كفة، ومصالحهم الشخصية في كفة أخرى، حينها تظهر النيات، وتتكشف الخبايا، فيتبين للناس زيف الشعارات، وتتجلى لهم الأهداف والغايات.
ثم إنهم إن حملوا مشروعا، فإن هذا المشروع غالبا ما يكون مرفودا بأيديولوجيا ما، سياسية كانت أم دينية أم غيرها، ومشكلة أصحاب الأيديولوجيات أنهم إذا وصلوا إلى السلطة فإنهم يوجهون اهتمامهم إلى كيفية المحافظة على السلطة فقط، وينسون ضرورة تطوير هذه الأيديولوجيا من جهة، وتطويعها للواقع المعيش من جهة أخرى، لذلك يفشلون فشلا ذريعا، ويسقطون سقوطا مدويا سريعا، ونتيجة ذلك يغادر معظمهم البلاد، ولا يصبر على «الكفاح» من أجل الوطن، فقد فشلت المهمة التي جاء من أجلها، وهي التربع على عرش السلطة. إنهم كانوا يعارضون، ولم يكونوا يناضلون.

نقول هذا الكلام بحذر منهجي كبير؛ لأن هذا الأمر لا ينسحب على كل أفراد المعارضة، فمنهم الشريف والنبيل وصاحب المشروع، ولكنهم للأسف قلة قليلة. كما أن ذلك لا يعطي الضوء الأخضر للحاكم بأن يتفرد بالأمر أو أن يطغى بحكمه، لكننا نرى أن المعارضة الحقيقة تكون من الداخل، قريبة من المواطن، متلاحمة معه، تشعر بما يشعر به، وتعاني ما يعانيه. وإن وُجدت معارضة في الخارج، فهي تلك التي اضطرت للحياة بالخارج، وحينها لا نقبلها على علاتها، بل ننظر أولا لماذا اضطرت للمغادرة إلى الخارج، ثم نحكم.

وأخيرا، فإن الإصلاح أمر مطلوب في كل وقت وحين، ولكن إذا رأيت من ينادي بالإصلاح ويأبى إلا أن يكون على رأس هذا الإصلاح، فاعلم أن في الأمر إن.

هناك أمر تجدر الإشارة إليه قبل الختام، وهو أن الحاكم ابن بيئته، وليس غريبا عنها، فالبيئة العادلة تنتج حاكما عادلا، أو لنقل حاكما ملتزما بالقانون، والبيئة الظالمة تنتج حاكما ظالما متسلطا، ونقصد بالبيئة هنا كل أشكال المجتمع، من البيت إلى المدرسة إلى الجامعة إلى مختلف مؤسسات الدولة.. وهكذا، وكما أن البيئة العادلة تنتج حاكما عادلا، فإنها تنتج معارضا ناصحا. وكما أن البيئة الظالمة المتخلفة فكريا تنتج حاكما ظالما، فإنها كذلك تنتج معارضا مخادعا ظالما، ليس همه الإصلاح، بل الوصول إلى السلطة، والفرق بين ظلم الاثنين أن ظلم الأول ظاهر جلي؛ لأنه يستقوي بالسلطة، وظلم الثاني مستتر خفي؛ لأنه يتلبد وراء ستار التقية.

وعليه.. فإذا ما أردنا أن يكون لدينا حاكم عادل، وأن يتوافر في بيئتنا معارض عاقل، فعلينا أولا وقبل كل شيء أن تكون لنا بيئة سياسية واجتماعية وأمنية واقتصادية صحية، وإلا فإننا سنكون كمن يلهث وراء السراب، أو يصلي وظهره للمحراب، ذلك أن الرحم التي أنجبت شيطانا ذا قرنين، لا يمكن لها أبدا أن تنجب مَلَكا ذا جناحين.