جدول المحتوى

.

تقـديــم

استطاع المُنتخب المغربي لكرة القدم أن يتسلق الدَّرجات في العشر سنين الأخيرة ليحتل المرتبة الرابعة عالمياً في مونديال قطر 2022، والثَّامنة في ترتيب الفيفا مع ضربة انطلاق كأس العالم 2026 في نسختها 23 والتي تجري وقائعها بين كندا، والولايات المتحدة الأمريكية، والمكسيك. فتمكن كذلك من جلب الأنظار إليه. وصار محط متابعة ومراقبة وموضوع للدراسة لتحرِّي طريقة لعبه وفحص سياسته الكروية المتبعة في التخطيط، والتكوين، والتأطير. ينبثق منهج العمل، والحالة هذه، من إرادة ملكية سامية تُنمي طموحات المملكة المغربية وتزكي تطلعاتها لاحتلال المراتب المُتقدمة بين الدُّول وعلى أكثر من صعيد.

الانضباط والإبداع

ويختزل المنتخب الوطني معالم الشخصية المغربية المركبة التي برزت معالمها في أسلوب اللعب المبني على التوفيق بين الانضباط والإبداع، بين اللعب الفردي في خدمة المجموعة، وفي انخراط جميع مكوناته: لا عبين، وأطر تقنية، وطبية، وأطر إدارية، وصحافة، وجمهور من أجل تحقيق أعلى الأهداف بالأداء والنتيجة، وذلك بالجمع بين روح المسؤولية والحق في تمتيع عشاق المنتخب أينما وجدوا.

فإذا كان الجمهور الرِّياضي تتبع ما أنجزه منتخب الأقل من 20 سنة بفوزه بكأس العالم في الشيلي يومه الأحد 19 أكتوبر 2025، الفوز الذي لم يتأتى إلا بمقارعة كبار المنتخبات العالمية، فإن منتخبا كرة القدم داخل القاعة “فوت صال” والمنتخب الأولمبي حققا مراتب متقدمة جعلت الفرق القوية تهابهما وتحسبا لهما ألف حساب. كما توج منتخب الرديف عربياً وافريقياً. وحصدت الأطر المغربية التقدير أينما حلت وارتحلت. وأضحت دول كثيرة تستنجد بها. وكما لاحظنا فالمدرب السابق وليد الركراكي راهن، بالإضافة لما هو تقني، على التواصل والتعبئة، ونجح في ذلك وانتزع الاعتراف. ولعب بنظام اعتمد فيه على الدفاع والمباغتة؛ وهو نهج منسجم مع تاريخ وتكوين الإنسان المغربي. ونجحت الفعاليات المحيطة بالمنتخب، كل من موقعه الخاص، جامعة وأطر، في تحقيق تقارب بين اللاعبين، وبينهم وبين الجمهور، وبين اللاعبين وآبائهم وأمهاتهم في مواقف خالدة لن تنسى؛ والمغرب يرتوي هكذا من الرُّوحانيات ليرسخ ثقافة العمل والسَّخاء في العطاء.

واعتمد محمد وهبي، الفائز بكأس العالم للشبان، على الوفاء لتثمين هذه الصِّلات وإعلاء الروابط في رحلة تستمد مقوماتها من الرؤية الملكية ومن حب القميص الوطني والاستبسال في الدفاع عليه بالكثير من النبل والاجتهاد والإيثار. فجدد وهبي في خطط اللعب بالاعتماد على “اللاعب الوهمي ” ! من بين أفكار وأفعال، ليبعثر أوراق المنافسين، وينقل بالتالي المنتخب لطفرة تقنية وتكتيكية غير مسبوقة.

اللاعب الوهمي؟

نُتابع، في سياق تشجيع السُّرعة في اللعب واشتداد المنافسة بين الفرق؛ كيف لم تتأهل دول عريقة مثل إيطاليا الفائزة بأربعة كؤوس العالم، وكيف تراجع مستوى البرازيل التي انهزمت في عقر دارها على يد ألمانيا بحصة (7- 1)، خلال مباراة دور النصف النهائي لبطولة كأس العالم التي استضافتها البرازيل عام 2014. في الوقت الذي طورت منتخبات مستواها بشكل مُلفت. في هذا الإطار، بادر المغرب بوضع تصورات جديدة تُرجمت معالمها في تشييد أكاديميات التكوين، وتأهيل الأطر، والاستثمار في الفئات العمرية الشابة، وتوجيه المجهودات خدمة لاحتلال أعلى المراتب والتتويج بالكؤوس.

وصارت كرة القدم في العالم تعرف تقلبات في ظل متغيرات متعددة من حيث المستجدات التكتيكية وحضور آلة الفار (VAR)، ومحاربة تضييع الوقت. وتزامن ذلك بصعود أمم أخرى أسيوية وفي مقدمتها اليابان وكوريا. وكما يعلم المتتبع فكرة القدم تخضع لمساهمات حقول معرفية كثيرة، وتستوجب التخطيط الاستراتيجي، والتكوين الهادف من أجل صقل المواهب والأطر التقنية بكفاءات دقيقة لمواكبة حجم التعقيد والتحولات التي تعرفها كظاهرة مثيرة للانتباه؛ تستقطب رؤوس أموال كثيرة والجماهير في إطار “اقتصاد الانتباه”، كما قعد له هربرت سايمون.

وتشهد مقابلات المنتخب المغربي متابعة من عشاق المستديرة في العالم. فازدادت الضغوطات عليه منذ دورة قطر 2022 بحيث سيتحول هذا الأخير لكتاب مفتوح بالنسبة لمنافسين تحدوهم الرغبة في الانتصار عليه وبكل الوسائل والحيل. سيمهد هذا الوضع الطريق للقيام بإسناد مهام تدريبه لمحمد وهبي، مع استدعاء لاعبين شباب. سيعيد محمد وهبي تنظيم نسق اللعب بالاعتماد على “المهاجم الوهمي” كلاعب يتراجع إلى الخلف للمشاركة في بناء الهجمات (بينما لعب المدرب وليد الركراكي بقلب هجوم صريح)، مما سيخلق تحولات متكررة في مواقع اللاعبين ويزعزع استقرار دفاع الخصوم. هذا التمركز المرن قرّب مدافعي الفرق المنافسة من قلب الملعب، مما فسح المجال لتحولات سريعة انطلاقاً من الأجنحة، بلاعبين يُتقنون المراوغة، ويتوفرون على مهارات تهديفية استثنائية كما هو الحال مع عبد الصمد الزلزولي وإبراهيم دياز؛ مسنداً إليهما بناء الفرص والقيام بإنهائها.

لقد أظهرت المقابلات الإعدادية الأخيرة للمنتخب المغربي تحت قيادة محمد وهبي بأن “الوهم” أو “توهيم” الخصم صار هو من أسلوب اللعب المعتمد الأمر الذي يتطلب قدرات خاصة تتجاوز حدود المركز، وتفرض تآزراً بين الخطوط، وتبادلاً بين المراكز، وضغطاً على الخصم، وإخراج الكرة بسرعة، ونقلها في ملعب المنافس بشكل زاحف، مما يؤدي إلى ارتباك الخصم، وخلق فرص للتسجيل، كما ظهر ذلك في المقابلة الحبية التي واجه فيها المغرب النرويج (1-1). وتعزز ذلك في المقابلة الرسمية وهو يواجه منتخب البرازيل (1-1) كما تابعناها يومه 13 يونيو 2026.

يمكن القول بأن طريقة اشتغال مجموعة وهبي تجمع بين ضوابط مركز اللعب من جهة، والاعتماد على مرونة في تبادل الأدوار، مع القيام بالتغطية؛ وتجلى ذلك بوضوح في انتقال حكيمي للهجوم في الجهة اليسرى في فترات من اللقاء الإعدادي الأخير ضد النرويج. وخلق وهبي تنوعاً في الأداء التقني للمنتخب المغربي عبر عنه اللاعبون بحركية كثيفة، ونقلٍ سلس للكرة، وما يصاحب ذلك من استنزاف في الجهد؛ نتجت عنه إصابة كل من الحاج نصير المزراوي وعبد الصمد الزلزولي.

– لعنة الأعطاب

يتفق المتابعون للتظاهرات المُجمعة على غرار كأس العالم بأن تحقيق النتائج الكبيرة والتتويج يستلزم التوفر على بنك احتياطي في مستوى الفريق 11 الرسمي، من حيث مهارة اللعب، ومن حيث القدرة على التأقلم مع الخطة التي تتطلب بالإضافة للمهارات التقنية الانضباط التكتيكي وتبادل الأدوار؛ يعني التوفر على خاصية اللاعب متنوع القدرات (polyvalent) في أكثر من مركز.

ولا يمكن إغفال ظاهرة إصابات اللاعبين المغاربة في المسابقات الأخيرة بمونديال قطر 2022، أو خلال تظاهرة كأس إفريقيا في نسختيها الأخيرة (الكوت ديفوار 2023 والمغرب 2025) التي أرخت بظلالهما على معسكر الفريق الوطني. فلماذا اللاعب المغربي يصاب في وقت نكون في أمس الحاجة إليه ؟ قد يقول قائل بأن الأعطاب وفي نهاية الموسم الكروي تعاني منها كل الفرق والأندية. هذا صحيح إلا أن وتيرتها وتكرارها يطرح أسئلة كثيرة تفرض فتح نقاش داخل أجهزة الإدارة التقنية الوطنية من أجل التفكير في حلول، ولو تطلب ذلك تفكيك شفرة اختيارات المواهب بأكاديميات التكوين.

من شأن المشاركات المتكررة وعلى أعلى مستوى أن تساعد على إيجاد الحلول لمثل هذه الاكراهات، فمنها ما يمكن تداركه بتفعيل آليات آنية وأخرى تتطلب اختيارات على المدى المتوسط والبعيد، بالقيام بما يلي: حسن اختيار اللاعبين، التعاقد مع فريق طبي متمرس، تجنب استفزاز الخصوم في المقابلات الإعدادية، توسيع قاعدة اللاعبين الدوليين لمائة (100) لاعب. أما على المدى المتوسط والبعيد فيمكن القيام ببناء مراكز التكوين في بعض المناطق المغربية منها منطقة درعة ودكالة، ومتابعة اللاعبين المغاربة الشباب بالخارج خاصة من أبناء الزواج المختلط، التي أعطتنا عدة مواهب منها عيسى ديوب.

إن استدامة نتائج المنتخبات الوطنية مرهونة بالتخطيط، وكذلك مرتبطة بانتقال سلس بين أجيال اللاعبين وبين المشرفين مدربين ومسؤولين. ومع ذلك، يتجاهل العديد من متابعي شأن كرة القدم هذا الجانب الحاسم (الانتقال السلس)، إما لضيق الوقت، أو الخوف من التغيير، أو صعوبة تصور رحيل بعض المدربين أو اللاعبين. يعزز ضمان الانتقال السلس بين أجيال اللاعبين والأطر رصيد الثقة في اتجاه مشترك يخدم الأهداف المسطرة. لقد حرص المسؤولون بالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم على القيام بالتغييرات المطلوبة في سياق الاستمرارية تماشياً مع ما تطرحه الرهانات المستقبلية من تعقيد وحيرة واللاَّيقين، خصوصاً والمغرب يشارك في تظاهرة عالمية للمرة السابعة، وللمرة الثالثة على التوالي (2018-2022-2026).

خاتمة

سافر المنتخب المغربي للولايات المتحدة الأمريكية لتمثيل وطن، وهو يكشف عن مغرب جديد مستمر في تطوير قدراته الاقتصادية والاجتماعية والرياضية، منتخب بمدرب فائز بكأس العالم لأقل من 20 سنة، ليثبت بأن الخزان والمواهب متوفرة بأطر وطنية متمكنة من ما هو تقني وبروح تواصلية قادرة على التعامل مع التعقيد وإخراج الكرة بسلاسة في مساحات ضيقة. يعكس هذا المنتخب مغرب اليوم ومغرب المستقبل وهو يعزف سمفونية بحس والتزام وبمرونة وتضامن ولو اقتضى الأمر الرهان على “اللاعب الوهمي” مع محمد وهبي، لتستمر المغامرة لأبعد نقطة ممكنة في هذه التظاهرة الرياضية العالمية، كأس العالم لكرة القدم 2026 التي تتميز، مع انطلاقتها، بالسرعة الفائقة وتجنب ضياع الوقت.