في أقل من سنة، صرحت المحكمة الدستورية بعدم دستورية مقتضيات قانونين دافع عنهما وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، بشراسة في مجلسي البرلمان وفي تصريحات إعلامية، قبل أن يفحص القضاء الدستوري مطابقتهما للنص الدستوري ويعيدهما إلى نقطة الصفر لإعادة صياغتهما، والحديث هنا بشكل أدق عن قانون المسطرة المدنية وقانون تنظيم مهنة العدول، اللذين أحاط بهما الجدل طيلة مراحل صياغتهما والمصادقة عليهما في المؤسسة التشريعية.
ورغم دفاع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، بقوة عن قانوني المسطرة المدنية وقانون تنظيم مهنة العدول، ورفضه تعديلات اقترحتها المعارضة والفاعلون المهنيون وإبدائهم ملاحظات على صياغة وإعداد هذه النصوص، فإن المحكمة الدستورية أبطلت عدداً من مقتضياتهما وصرحت بمخالفتها للدستور، لتعيد النصين إلى دائرة المراجعة والصياغة.
وتكاد القوانين التي مصدرها وزارة العدل وصرحت المحكمة الدستورية بعدم مطابقتها للمقتضيات الدستورية، تكون جميعها لم تعرف توافقاً بين وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، والفئات المهنية التي تنظمها وتؤطر عملها، خصوصا فئتي العدول والمحامين، بل ونبهت في عدد من الحالات إلى مخالفة هذه النصوص التشريعية للمبادئ والمقتضيات الدستورية، إلا أن وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، تشبث بصحة وجودة القوانين التي جاء بها، قبل أن يرد القضاء الدستوري بعدم انسجام عدد من المواد مع الوثيقة الدستورية.
“خلل” في منهجية المصادقة على النصوص.
رشيد حموني، رئيس فريق حزب التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، قال إن “القوانين الأخيرة التي تمت إحالتها إلى المحكمة الدستورية كان مصدرها من وزارة العدل بموجب الصدفة، ولو أتيحت الفرصة لقوانين أخرى لكان مصيرها مماثلاً”، مشيراً إلى أن “العائق الأساسي وراء عدم إحالة بعض القوانين سابقاً على القضاء الدستوري هو غياب النصاب القانوني المطلوب، مما يمنع فرق المعارضة من اتخاذ هذه الخطوة”.
وأورد البرلماني نفسه، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن “الإجماع الأخير على إحالة بعض القوانين على المحكمة الدستورية تحقق نتيجة للضغط الكبير الذي مارسته الفئات المتضررة من هذه التشريعات، واقتناع المعارضة بالتوقيع لإحالة القوانين على المحكمة الدستورية، والتي قضت بدورها وبكل استقلالية بعدم دستورية بعض المواد”.
وسجل رئيس فريق حزب “الكتاب” أنه بالنظر إلى أن القوانين التي تأتي بها وزارة العدل تمس بالدرجة الأولى حقوق وحريات الأفراد، فإنه من المهم توفير الحد الأدنى من التوافق بين الفئات المهنية والبرلمانيين وبين الوزارة الوصية، لافتاً إلى أن الحكومة مطالبة بفتح حوار جاد مع هذه الفئات والوصول إلى صيغة توافقية حينما تكون مشاريع القوانين مجرد مسودات وقبل عرضها على المجلس الحكومي أو البرلمان.
واعتبر حموني أن غياب التوافق المسبق يؤدي إلى الاستجابة فقط للفئات التي تملك وسائل ضغط قوية كالاحتجاجات والإضرابات، في حين تمرر القوانين الأخرى دون مراعاة لمصالح الفئات التي لا تملك القدرة على الضغط، مبرزاً أنه في المعارضة نجد تعديلاتها مرفوضة عددياً، حتى وإن كانت مقنعة لبعض نواب الأغلبية الذين يمتثلون في النهاية لقرار الحكومة بسبب غياب الاستقلالية في التصويت كمشرعين.
“التوافق له حدود والقضاء الدستوري صمام أمان“.
عبد العزيز قراقي، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري ونائب عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، قال إنه من حيث المبدأ فإن دولة القانون تفرض بالضرورة حضورًا قويًا لمسألة دستورية القوانين، وذلك حمايةً للحقوق والحريات، وضمانًا لإعمال مبدأ فصل السلطات، حيث يضطلع القضاء الدستوري بأدوار أساسية في هذا الصدد.
وعن منهجية وزارة العدل في إعداد النصوص القانونية والجدل الدائر حول مجموعة من مشاريع القوانين التي جاء بها وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، قال قراقي، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، إن المقاربة التشاركية في صياغة القوانين والتشريعات تُعتبر الخيار الأفضل والآلية المثلى لضمان انخراط كافة مكونات المجتمع، مشيراً إلى أن المغرب قد اعتمد هذه المقاربة في محطات عدة، بما في ذلك إعداد الوثيقة الدستورية نفسها، فلا مانع في القيام بذلك في كل مشاريع القوانين.
ومع ذلك، يستدرك الأستاذ الجامعي أن هذه المقاربة التشاركية قد تصطدم أحيانًا ببعض الحدود، حيث يطغى المنظور الفردي أو الأناني من قبل بعض الفئات أو المدافعين عن مهن معينة، والذين ينظرون إلى النصوص التشريعية من زاوية ذاتية ومصالح ضيقة، مشيراً إلى أن صياغة القوانين لا تتم بمعزل عن الاستماع إلى القطاعات المعنية.
واعتبر المتحدث عينه أن فتح باب الاستشارة وسماع آراء المهنيين والمجتمع المدني لا يعني بالضرورة الالتزام الحرفي بكل ما يطرحونه، مبرزاً أن “الأطراف قد تدافع عن مصالحها المهنية من منطلقات خاصة، وقد يسعى البعض أحيانًا إلى إغلاق مهنته في وجه التطور أو جعلها حكرًا على فئة معينة، وهنا يتجلى الدور الريادي للمحكمة الدستورية التي تتدخل للدفاع عن المبادئ الأساسية، المتمثلة في الحرية، والحقوق، ودستورية القوانين”.

