تتجه الأنظار إلى سويسرا، يوم الجمعة المقبلة، حيثُ من المتوقع أن تنطلق جولة مفاوضات حاسمة بين الولايات المتحدة وإيران تمهيداً للتوصل إلى اتفاق نهائي قد يعيد رسم ملامح التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.
وبينما يروّج الطرفان لما يُعرف بـ”مذكرة التفاهم” باعتبارها خطوة نحو إنهاء الحرب، واحتواء التوترات الإقليمية، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة هذا المسار على إنتاج سلام طويل الأمد، في ظل تعقيدات ملفات النووي، والباليستي، وأذرع إيران في المنطقة، والجبهة اللبنانية التي تشهد تطورات متسارعة.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أعلن أن الجولة الجديدة من المفاوضات مع الولايات المتحدة ستبدأ في سويسرا الجمعة، مؤكداً أن إعلان إنهاء الحرب يمثل أولوية المرحلة الأولى، على أن يُناقش الملف النووي في المرحلة الأخيرة من المفاوضات، كما شدد على أن أي هجوم إسرائيلي على لبنان أو أي احتلال لأراضٍ لبنانية سيُعد انتهاكاً للتفاهمات القائمة.
هذه التطورات تأتي بالتزامن مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد فيها أن إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي، معتبراً أن هذا الالتزام يمثل أحد أبرز مخرجات التفاهم الجاري العمل على استكمال تفاصيله.
كما تحدثت الإدارة الأمريكية عن ترتيبات فنية لاحقة تتعلق بآليات التنفيذ والرقابة، في وقت تتزايد فيه التوقعات بأن يشمل الاتفاق ملفات تتجاوز البرنامج النووي لتطال قضايا الأمن الإقليمي، والملاحة الدولية، وملف لبنان.
لبنان في قلب التفاهمات.
ويبدو أن الملف اللبناني يحتل موقعًا محوريًا في المفاوضات الجارية، خاصة بعد الحديث عن تضمين وقف دائم لإطلاق النار في لبنان ضمن التفاهمات الأمريكية الإيرانية، حيث تشير المعطيات إلى أن واشنطن تسعى إلى صياغة ترتيبات أمنية جديدة تضمن استقرار الحدود اللبنانية الجنوبية، وتمنع تحولها، مجدداً، إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
إلا أن هذا التوجه يصطدم بموقف إسرائيلي متشدد، فقد أعلن عدد من الوزراء الإسرائيليين رفضهم الانسحاب من المناطق التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، فيما أبلغ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الإدارة الأمريكية أن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة بأي ترتيبات لا تراعي متطلباتها الأمنية.
ضغوط حقيقية.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بدر الماضي أن فرص نجاح الاتفاق ترتبط بمدى قدرة الولايات المتحدة على فرض ضغوط حقيقية على إسرائيل خلال المرحلة المقبلة.
ويقول لـ”إرم نيوز”، إن الولايات المتحدة الأمريكية ستمارس بالتأكيد ضغوطاً كبيرة على إسرائيل خلال هذه الفترة، ومن المتوقع أن تؤتي هذه الضغوط ثمارها فيما يتعلق بإيران، لكن المشهد يبدو أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالملف اللبناني.
ويضيف الماضي أن إسرائيل تسعى، بصورة مستمرة، إلى الفصل بين الملف الإيراني والملف اللبناني، لأن ذلك يحقق لها جملة من الأهداف الاستراتيجية، موضحاً أن تل أبيب تفضل مواجهة النفوذ الإيراني عبر أذرعه الإقليمية بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع طهران.
ويبين أن حزب الله يمثل الذراع الأهم لإيران في المنطقة، ومن خلاله يمكن تحقيق العديد من الأهداف الإيرانية ضد إسرائيل، ولذلك ستبذل إسرائيل كل ما في وسعها للفصل بين الملفين الإيراني واللبناني، كما أنها لا تريد منح إيران فرصة الظهور بمظهر المنقذ في الشرق الأوسط بما يسمح لها بالاستمرار في توسيع نفوذها السياسي والأمني في المنطقة.
ويشير الماضي إلى أن الإستراتيجية الإسرائيلية الحالية لا تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تشمل أيضاً استهداف القدرات السياسية والاقتصادية لحزب الله، إلى جانب العمل على إضعاف ارتباطه ببيئته الحاضنة من خلال عمليات التدمير الواسعة التي شهدها جنوب لبنان خلال الأشهر الماضية.
ويضيف من هذا المنطلق، أعتقد أنه من الصعب الحديث عن ضغوط أمريكية كبيرة على إسرائيل فيما يتعلق بجنوب لبنان، وقد تنجح واشنطن في الحد من استهداف الضاحية الجنوبية أو بيروت إذا منح نتنياهو هذه المساحة للرئيس ترامب، لكن على المدى البعيد تمتلك إسرائيل مبررات تقدمها للولايات المتحدة وللدول الأوروبية لتبرير استمرار وجودها وتحركاتها العسكرية.
كما يرى الماضي أن أي حادث أمني جديد يمكن أن يعزز الموقف الإسرائيلي، ويقول إن “محاولات استهداف الجنود الإسرائيليين أو أي عمليات تنسب إلى حزب الله ستمنح حكومة نتنياهو حججاً إضافية للتأكيد أن التخلص من الحزب يجب أن يكون إستراتيجية إسرائيلية وإقليمية، بهدف فرض معادلات جديدة في التعامل مع تلك التنظيمات”.
اتفاق يواجه عقبات سياسية.
ورغم الأجواء الإيجابية التي تحيط بالمفاوضات، فإن الاتفاق المرتقب لا يزال يواجه تحديات كبيرة داخل الولايات المتحدة نفسها، فقد بدأت أصوات مؤثرة داخل الكونغرس بالمطالبة بمراجعة أي تفاهم مع إيران قبل الشروع في تخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
وتتركز المخاوف الأمريكية حول قضايا التخصيب النووي ومخزون اليورانيوم وآليات الرقابة والتفتيش على المنشآت الإيرانية، كما أن عدداً من المشرعين يعتبرون أن أي تخفيف للعقوبات قبل التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي قد يمنح طهران مكاسب سياسية واقتصادية مجانية.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن إدارة ترامب تحاول الموازنة بين هدفين متناقضين، أولهما تحقيق اختراق دبلوماسي سريع يخفف التوتر الإقليمي ويعيد فتح مضيق هرمز أمام حركة الطاقة العالمية، وثانيهما تجنب مواجهة سياسية داخلية مع الكونغرس قد تعرقل تنفيذ التفاهمات.
شكوك حول النوايا الإيرانية.
وفي المقابل، لا تزال الشكوك تحيط بمدى التزام إيران بأي اتفاق طويل الأمد، خاصة في ظل تجارب سابقة شهدت خلافات متكررة حول تفسير البنود وآليات التنفيذ.
بدوره يوجه المحلل السياسي رياض منصور انتقادات حادة لطهران، معتبراً أن السجل الإيراني خلال العقود الماضية لا يدعو إلى التفاؤل.
ويقول لـ”إرم نيوز”، إن المشكلة الأساسية لا تكمن في صياغة الاتفاقات أو عدد الضمانات التي يمكن تضمينها في النصوص، بل في طبيعة السلوك الإيراني نفسه، فإيران اعتادت استخدام المفاوضات كوسيلة لكسب الوقت وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية دون تقديم تنازلات جوهرية ومستدامة.
وأضاف أن طهران لطالما تعاملت مع الاتفاقات الدولية باعتبارها أدوات تكتيكية وليست التزامات استراتيجية، ولذلك فإن الحديث عن سلام طويل الأمد يبقى سابقاً لأوانه ما لم يرافقه تغيير حقيقي في السياسة الإيرانية تجاه المنطقة.
ويتابع منصور بالقول: إيران بنت جزءاً كبيراً من نفوذها الإقليمي عبر دعم الجماعات المسلحة وتوسيع شبكة الحلفاء العسكريين والسياسيين في عدد من الدول العربية، ومن الصعب تصور أنها ستتخلى بسهولة عن هذه الأدوات التي شكلت لعقود إحدى ركائز قوتها ونفوذها.
ويرى منصور أن أي اتفاق لا يتضمن آليات صارمة وشفافة للرقابة والمحاسبة سيواجه خطر الانهيار في أي لحظة، كما أن المجتمع الدولي مطالب بعدم الاكتفاء بالوعود السياسية، بل بربط أي مكاسب اقتصادية أو رفع للعقوبات بتنفيذ فعلي وقابل للتحقق.
وختم منصور حديثه بالقول: “الرهان على حسن النوايا الإيرانية وحده سيكون خطأً إستراتيجياً، فالتجربة أثبتت أن طهران تجيد المناورة السياسية، وقد تسعى إلى استثمار أجواء التهدئة الحالية لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية بدلاً من تغيير سلوكها بصورة حقيقية ودائمة.
سلام دائم أم هدنة مؤقتة؟
في المحصلة، تبدو مفاوضات سويسرا محطة مفصلية في مسار التوترات التي عصفت بالمنطقة خلال الأشهر الماضية، فالاتفاق المحتمل يحمل في طياته فرصاً حقيقية لخفض التصعيد وفتح قنوات جديدة للحوار، خصوصاً إذا نجح في تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الاستقرار إلى الممرات البحرية الحيوية.
غير أن الطريق نحو سلام طويل الأمد لا يزال مليئاً بالعقبات، فالخلافات الأمريكية الإسرائيلية بشأن لبنان، والانقسامات داخل الكونغرس الأمريكي، والشكوك المستمرة حول التزام إيران، جميعها عوامل قد تحد من قدرة الاتفاق على التحول إلى تسوية شاملة.

