جدول المحتوى
.
في الساعات الأولى من فجر يوم الخامس والعشرين من أبريل، لم تكن الانفجارات التي هزت قاعدة “كاتي” العسكرية خارج العاصمة المالية باماكو مجرد هجوم خاطف، بل كانت إعلانًا صاخبًا عن مرحلة جديدة من التحول الاستراتيجي في غرب أفريقيا. الهجوم الأسوأ الذي أسفر عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا واستهداف مقار سيادية، لم ينطلق من المخابئ النائية في الصحراء الكبرى، بل هندسته خلايا “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) -الفرع الإقليمي لتنظيم القاعدة- من مناطق باتت تسيطر عليها بالكامل على بعد كيلومترات قليلة من مراكز القرار.
هذا المشهد يلخص ديناميكية مرعبة تجتاح دول المثلث المشتعل (مالي، بوركينا فاسو، النيجر)؛ حيث لم تعد التنظيمات المسلحة مجرد جماعات “عصابات” تشن حرب استنزاف، بل تحولت إلى جيوش غير نظامية تطبق استراتيجية “خنق الحواضر عبر السيطرة على الأطراف”، متمددة نحو المناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكان، ومحولةً الفراغ الأمني الإقليمي إلى أحزمة نفوذ تمتد لآلاف الكيلومترات وصولًا إلى تخوم دول خليج غينيا.
هندسة الفراغ وسقوط أحجار الدومينو
لأكثر من عقد من الزمان، دارت أزمة الساحل في حلقة مفرغة، إلا أن العامين الماضيين شكلا نقطة تحول جذرية أدت إلى صياغة المشهد الحالي. بدأت القصة بالانقلابات العسكرية المتتالية في باماكو، واغادوغو، ونيامي، والتي رُفعت فيها شعارات “استعادة السيادة الوطنية” وتطهير البلاد من الإرهاب.
بناءً على هذه التحولات، طردت المجالس العسكرية الحاكمة القوات الفرنسية، وأنهت بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام (مينوسما)، مستعيضة عنها بتحالفات جديدة مع مجموعات عسكرية روسية بديلة مثل “الفيلق الأفريقي” (المعروف سابقًا بمجموعة فاغنر).
أدى هذا الانسحاب المتسارع للقوات الدولية إلى حدوث “فراغ عملياتي” هائل، استغلته التنظيمات المتطرفة بشكل فوري لإعادة تموضعها:
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM): يتزعمها إياد أغ غالي، واتبعت نهجًا “محليًا” يركز على استغلال المظالم القبلية (خاصة بين الفلاني والطوارق) وتقديم نفسها كحامٍ للمجتمعات الريفية.
ولاية الساحل التابعة لتنظيم داعش (ISSP): تتركز في منطقة “ليبتامو-غورما” الحدودية، وتعتمد أسلوب الصدمة والترهيب العسكري والعمليات العابرة للحدود، محاولة ربط نفوذها بشبكات أوسع تمتد لشمال أفريقيا.
حسام الحداد يكتب| داعش-الصومال: الفرع الذي يُقلق واشنطن أكثر من سوريا والعراق
أدلة التمدد والزوايا المخفية
جغرافية الحصار وحرب الخنق الاقتصادي.
تشير البيانات التحليلية الصادرة عن مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية (Africa Center) إلى أن الجماعات الإسلامية المسلحة في مالي وبوركينا فاسو اعتمدت نمطًا متكررًا يعتمد على نقل العمليات من المعاقل الشمالية والوسطى إلى المناطق الغربية والجنوبية الأكثر ثقلًا سكانيًا واقتصاديًا.
لم يعد الهدف السيطرة على مساحات صحراوية فارغة، بل فرض “حصار اقتصادي” (Blockades) على المدن الكبرى عبر قطع خطوط الإمداد، وتفجير الجسور، واستهداف شاحنات الوقود والمواد الغذائية. ووفقًا لبيانات مشروع “أكلييد” (ACLED) لتعقب النزاعات، فإن هذا الأسلوب أدى إلى عزل بلدات بأكملها في بوركينا فاسو ووسط مالي، مما جعل عواصم هذه الدول تعيش تحت تهديد اقتصادي دائم قبل أن يكون عسكريًا.
الزاوية المخفية: المفارقة الريفية (الحماية مقابل الولاء)
يكشف هذا التحقيق الاستقصائي عن حقيقة صادمة تفسر سرعة تمدد تنظيم (JNIM) على وجه الخصوص: المجتمعات الريفية أصبحت تبحث عن ملاذ آمن لدى التنظيم هربًا من عنف الجيوش الوطنية.
عقب لجوء المجالس العسكرية إلى الحلول الأمنية الخشنة بمساعدة الحلفاء الروس، تصاعدت وتيرة الانتهاكات بحق المدنيين في القرى بتهمة “حاضنة الإرهاب”. دفع هذا السلوك الآلاف من سكان الأرياف إلى اللجوء للتنظيمات المسلحة لتوفير الأمن.
يقول الخبير الاستراتيجي في شؤون غرب أفريقيا، الدكتور أحمد ولد مبروك، في إفادة خاصة:
“المفارقة الكبرى في الساحل الآن هي أن تنظيم JNIM لم يعد يفرض نفسه بقوة السلاح فقط في بعض المناطق، بل يتم استدعاؤه من قبل الأعيان المحليين لعقد ‘اتفاقيات حماية’ (تسميتها المحلية الصلح). التنظيم يقدم القضاء، ويفض النزاعات العقارية على المياه والمراعي، ويفرض ضرائب الزكاة كبديل للدولة المركزية الفاسدة والغائبة.”.
حسام الحداد يكتب: الساحل الأفريقي في قبضة الجهاد المتحوّل
ميزانية الإرهاب: من أين تأتي الأموال؟
أثبتت التحقيقات الميدانية أن القفزة النوعية في القدرات العسكرية والتكتيكية التي أظهرتها تنظيمات الساحل مؤخرًا—والتي تجلت في استخدام الطائرات المسيرة الانتحارية الهجومية (.
Kamikaze Drones.
)، وإدارة منظومات معقدة من السيارات المفخخة المنسقة لاسلكيًا—لم تكن لولا وجود شبكة تمويل ذاتية ومعقدة تعتمد في الأساس على “عسكرة الاقتصاد المحلي”. ويأتي على رأس هذه الموارد وضع اليد على مئات مناجم الذهب التقليدية (غير النظامية) المنتشرة في المثلث الحدودي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر؛ حيث تحولت هذه المناجم إلى “مصارف مفتوحة” للتنظيمات التي تفرض نظام “إتاوات وضريبة زكاة السلاح” على آلاف المنقبين المحليين، مقابل تأمين عمليات الحفر، ليتم بعدها تهريب الذهب عبر شبكات وسيطة معقدة نحو الأسواق الإقليمية والدولية وتسييله إلى سيولة نقدية ضخمة تسد نفقات شراء الأسلحة المتطورة.
وبعقد مقاربة بين الموارد الثابتة والمتغيرة، يبرز نشاط “صناعة الفديات” كأداة تمويل استراتيجية وعابرة للقارات تدر ملايين الدولارات دفعة واحدة. لم يعد الاختطاف مقتصرًا على الأجانب من عمال الإغاثة، والدبلوماسيين، والصحفيين الغربيين الذين يدفع دولهم مبالغ طائلة تحت الطاولة لتأمين الإفراج عنهم، بل توسعت الدائرة لتشمل كبار التجار المحليين، ومسؤولي الشركات الوطنية، وأعيان القبائل؛ هذا النمط من “اقتصاد الرهائن” لا يمنح التنظيمات تدفقات مالية ضخمة وسريعة فحسب، بل يمثل أداة ضغط سياسي وأمني لإجبار الحكومات على إطلاق سراح قادة بارزين من السجون، مما يعزز القوة البشرية والمالية للتنظيمين على حد سواء.
أما الشريان الثالث الذي يغذي هذه الميزانية، فيتمثل في استغلال الجغرافيا الصحراوية الشاسعة لفرض نظام “الترانزيت والجمارك البديلة” على ممرات التهريب التاريخية المتجهة نحو شمال أفريقيا وأوروبا. وتجني هذه الجماعات أموالًا طائلة من خلال فرض رسوم حماية جبرية (تأمين الممرات) على قوافل تهريب السجائر، والمخدرات الصلبة، والأسلحة، والوقود المدعوم المهرب من دول الجوار، بالإضافة إلى شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية؛ هذا التداخل العضوي بين الجريمة المنظمة العابرة للحدود والأيديولوجيا الجهادية خلق اقتصاد حرب مستدام ومكتفٍ ذاتيًا، يجعل من تجفيف منابع تمويل هذه التنظيمات أمرًا شبه مستحيل بالوسائل العسكرية التقليدية وحدهـا.
مؤشرات العمليات العسكرية والانتشار الجغرافي لتنظيم داعش في إفريقيا
التداعيات والمستقبل: طوفان يهدد السواحل
على الصعيد السياسي والبنيوي للدول، ينذر التراجع الأمني المتسارع بولادة مشوهة لما يسميه خبراء الجيوسياسية “دواخل فاشلة تحاكي نموذج طالبان” في قلب القارة الأفريقية. وتكشف القراءة المعمقة للمشهد في مالي وبوركينا فاسو عن تآكل متزايد لسيادة الحكومات المركزية، حيث يقتصر نفوذ المجالس العسكرية الحاكمة على الحواضر الكبرى والعواصم (باماكو وواغادوغو) التي باتت بمثابة “جزر معزولة” وسط محيط ريفي تسيطر عليه الحركات المسلحة بالكامل. هذا الانفصام بين المركز والأطراف يتجاوز مجرد العجز العسكري إلى انهيار كامل لبنية الدولة؛ فالمدارس مغلقة، والمحاكم غائبة، وجباية الضرائب الرسمية استُبدلت بنظم زكاة السلاح وقوانين الشريعة المتطرفة التي تفرضها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” و”ولاية الساحل”، مما يعني عمليًا أن سقوط هذه العواصم في يد التنظيمات بات سيناريو واقعيًا مسألتُه مسألة وقت لا أكثر، في حال استمر عزلها الاقتصادي والعسكري.
هذه القنبلة الموقوتة في الساحل لا يقتصر دويّ انفجارها على الداخل، بل يمتد إقليميًا عبر زحف استراتيجي مدروس نحو دول خليج غينيا (بنين، وتوغو، وغانا، وكوت ديفوار) لتأمين واجهة بحرية طالما حلمت بها التنظيمات المتطرفة. وتؤكد البيانات الاستخباراتية المتقاطعة أن تنظيم (.
JNIM.
) نجح بالفعل في اختراق الجبهات الشمالية الهشة لهذه الدول الساحلية عبر استغلال “المتنزهات الوطنية والحدود الغابية الشاسعة” كملاذات آمنة لشن هجمات مباغتة وضبط خطوط إمداد لوجستي جديدة. هذا التمدد نحو الجنوب لا يستهدف السيطرة الجغرافية الفورية فحسب، بل يسعى إلى ضرب الركائز الاقتصادية والسياحية لدول مستقرة نسبيًا، وربط حزام النفوذ الجهادي الممتد من الصحراء الكبرى مباشرة بالمحيط الأطلسي، مما يضع التجارة الدولية وأمن الملاحة البحرية في غرب أفريقيا تحت رحمة فروع القاعدة وداعش.
أما على الصعيد الإنساني والاقتصادي، فإن هذا التمدد يمثل المحرك الأساسي لأكبر كارثة نزوح جماعي يشهدها القرن الأفريقي وغربه، مع تخطي أعداد النازحين حاجز الـ 3 ملايين مشرد، وتحول قرى بأكملها إلى أطلال مهجورة. هذا الإفراغ الديموغرافي القسري تسبب في شلل تام لقطاع الزراعة والرعي الذي يمثل عصب الحياة لأكثر من .
70%.
من سكان المنطقة، فضلًا عن إغلاق وتدمير كبرى مناجم التعدين المنظم، مما حرم خزائن الدول من أهم مواردها الضريبية والنقدية. وفي ظل هذا الانسداد المعيشي وانعدام الأفق، تتحول كتل النازحين الفارين من الموت إلى خزان بشري هائل يغذي شبكات الهجرة غير الشرعية العابرة للحدود عبر قوارب الموت نحو سواحل شمال أفريقيا ومنها إلى أوروبا، مما يحول أزمة الساحل من معضلة محلية إلى أزمة أمن قومي عابرة للقارات.
معركة بلا عقول؟
يؤكد مسار الأحداث في الساحل الأفريقي أن المقاربة الأمنية الصرفة التي تبنتها الأنظمة المتعاقبة -سواء بالاعتماد على الغرب سابقًا أو على روسيا حاليًا- قد فشلت في استيعاب جذور الأزمة المتمثلة في غياب التنمية، والعدالة الاجتماعية، والفساد الهيكلي. لقد أثبتت تنظيمات الساحل أنها أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع البيئات المحلية عبر تقديم “حكومة ظل” تملأ فراغ الدولة بشكل منظم.
مع انتشار طوق النار من المراكز الحضرية الكبرى وتحالف الحركات الانفصالية مع التنظيمات المتطرفة، يظل السؤال الاستراتيجي معلقًا: هل تمتلك المجالس العسكرية في الساحل الوقت والخطط البديلة لإعادة بناء شرعيتها السياسية والتنموية مع شعوبها، أم أن باماكو وواغادوغو تسيران بخطى متسارعة نحو تسليم مفاتيح الحكم لإمارات الجهاد الأفريقي؟

